أستاذ الحضارة الأندلسية في جامعة تونس د. جمعة شيخة :مسلمو الأندلس نقلوا أسرار “الفلاحة” وعلوم الفلك للأوروبيين

حوار – معمر الخليل
ما زال الحديث عن الأندلس والحضارة الإسلامية السابقة جنوب أوروبا يثير شجوناً وأحزاناً لدى الكثيرين من المسلمين، وهم يرون صورة من صور المجد الإسلامي ماثلة أمام أعينهم.. يحركهم إليها شوق لمجد آخر، ينفض الغبار عن رؤى وأحلام قد تتحقق يوماً، وتبسط الإسلام من جديد في العالم شرقاً وغرباً.
وإن كان ثمّة تساؤل مشروع حول تلك الحقبة، فهو: ماذا بقي من الحضارة الأندلسية في إسبانيا بعد كل هذه القرون؟ هل بصمات المسلمين الأوائل ما زالت موجودة في الفكر والثقافة والعلم في إسبانيا؟ وهل يعترف الإسبان بتلك الحقبة على أنها حقبة مهمة وأساسية في النهضة الإسبانية الأوروبية التي تلت الحضارة الأندلسية؟ أم يتنكرون لها؟
للإجابة على هذه الأسئلة، والغوص في أعماق التاريخ وتفاصيله، ومشاهدة صورة أكثر واقعية وصدقاً عن تلك المرحلة، التقت (الدعوة) مع الأستاذ الدكتور جمعة شيخة (أستاذ الحضارة الأندلسية في جامعة تونس)، الذي قام بتدريس هذه المادة لأكثر من 30 عاماً.

* تنادي اليوم بعض الجهات العالمية، إسلامية ونصرانية، بما يسمى “الحوار بين الأديان” و”التسامح الديني”، وقد كانت فترة الحضارة الأندلسية إحدى الحقب التاريخية التي تزعمت فيها الحضارة الإسلامية العالم، سياسياً وفكرياً وثقافياً وعلمياً.. هل كانت هذه الدعوة موجودة سابقاً؟ وهل كان هناك تسامح ديني؟
- بعد 30 عاماً من تدريسي واهتمامي بالحضارة الأندلسية الإسلامية في إسبانيا، أجدني متأكداً أن الحضارة الإسلامية السابقة في الأندلس، والتي تعرف بالحضارة الأندلسية، تعطي نموذجاً عالياً في التسامح والحوار بين الأديان. وذلك مردّه إلى أنه وخلال تلك الحقبة التاريخية، لم يكن هناك تمييز بين الناس، فالمسلم والنصراني واليهودي يعيشون في نفس المكان، ولهم نفس الحقوق، وخاصة خلال فترة الخلافة الأموية في قرطبة. ونظراً لهذا الجو من التسامح، تضافرت جهودهم على ترجمة التراث العربي الإسلامي إلى اللغات الأخرى، وقد أكتمل أوج ذلك النشاط الثقافي في القرنين الرابع والخامس الهجري.
وبعدها تضافرت جهود العلماء المسلمين واليهود والنصارى وترجموا هذا التراث إلى العبرية واللاتينية، ومن اللاتينية انتقلت إلى اللغات الأخرى المعروفة كالفرنسية والإنكليزية والألمانية.
وكل ما وصلت إليه إسبانيا بعد ذلك من رقي وحضارة، هي نتيجة للتطور الحضاري الأندلسي، وذلك بالحوار والتسامح والمحبة ونسيان الفوارق الدينية، على مبدأ الآية الكريمة التي تقول {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون : 6]}. والحضارة الإسلامية قدّمت خدمات جليلة للبشرية، باعتبار أن الإنسان هو إنسان، سواء كان يهودياً أو مسلماً أو عربياً أو صينياً.
من هذا المنطلق، أرى، كما يرى الجميع، أن الإسلام هو دين عالمي، ودين إنساني عالمي لجميع البشر في العالم، لأنه ينظر إلى الإنسان على أنه إنسان، مهما كان انتماؤه الديني.
* أمام هذه الترجمات والاهتمام بالحضارة الأندلسية في ذلك الوقت، ما أهم العلوم والمعارف التي انتقلت لإسبانيا خاصة ولأوروبا عامة خلال تلك الحقبة وما بعدها؟
- هناك الكثير من المعارف والعلوم والثقافات التي انتقلت إلى إسبانيا عبر الحضارة الأندلسية. فالأندلس هي التي أفهمت أوروبا كلها فكر وفلسفة أرسطو.. ويعد العالم العربي المسلم ابن رشد، الشارح الأكبر لهذا الفكر ولهذه الفلسفة، وهو أوّل من علّم الأوروبيين هذا العلم. فهو الذي شرح كتب أرسطو، ووصلت إليهم تلك الأفكار بطبق من ذهب. فعلماء المسلمين العرب علّموا أوروبا منهج البحث العلمي.
وربما تنطبق هنا المقولة المشهورة، والتي أعتقد أنها موجودة في “الإنجيل” على لسان النبي عيسى عليه السلام أنه قال: “لا تعط ابنك سمكة يأكلها، وإنما علّمه كيف يصطادها”.
فالعالم العربي والحضارة العربية عن طريق الأندلس، علّمت أوروبا كيف تصطاد الأسماك العلمية في كل الميادين، وهذا كله جعل أوروبا تنهض وتعيش هذه الحضارة الآن.

بصمات واضحة
ويكمن القول بصورة جليّة، أن بصمات الحضارة الإسلامية في أوروبا معروفة وواضحة، ويستطيع أي أحد أن يجدها في مختلف العلوم، على سبيل المثال، في المجال الطبي، يعد المسلمون الأوائل هم أوّل من علم أوروبا الجراحة، عن طريق العالم والطبيب المسلم الزهراوي، وقد ترجمت كتب الزهراوي إلى غالبية اللغات الأوروبية، وقد أسس الزهراوي علم العمليات الجراحية، ولا تزال بعض طرق العلاج التي اتبعها منذ أكثر من عشرة قرون، صالحة حتى يومنا هذا.
وأحسن ما قدمته إسبانيا الإسلامية أو الأندلس للأوروبيين في تلك الفترة، هو علم الزراعة، أو “الفلاحة”، وقد ترجمت جميع كتب العلماء الإسلاميين العرب إلى اللغة الإسبانية، ومنهم ابن عسال وابن بصال، وهؤلاء كلهم من الفلاحين، ومعنى ذلك أنهم قدموا خبرتهم الكبيرة في التعامل مع الأراضي الزراعية للأوروبيين، وكتبوا كيف تنتج الأرض، وماذا تعطي، وكيف ننمي خيراتها، وكيف نطعّم الأشجار فننتج نوعاً جديداً عن طريق تطعيم شجرة من شجرة أخرى. أما في مجال الأزهار فحدث ولا حرج، حيث برع المزارعون المسلمون في الأندلس في الحدائق، وتعد حدائق أطلانطا وحدائق دولة بني زنون في طليطلة من أعجب ما تركه المسلمون في الأندلس، إلا أن هذه الحدائق هدّمت وخرّبت على يد النصارى خلال اجتياحهم للأندلس.

علوم الفلك
وكذلك الأمر في مجال الفلك، فلولا فضل الله سبحانه وتعالى أولاً، ثم ما توصل إليه العلماء العرب في هذا المجال، لما كان للغرب أن يصل لهذه النتائج إلا بعد 3 أو 4 قرون. لأن العرب المسلمين هم الذين قدّموا للأوروبيين المعطيات العلمية ومنهجية البحث في الفلك، وتوصلوا إليها قبل أوروبا بسنوات طويلة، بل إن لديهم علوماً وأبحاثاً وقوانين لا تزال صالحة حتى يومنا هذا، وتعدّ من القوانين الفلكية المعروفة والثابتة علمياً.
أيضاً من بين العلماء المسلمين العرب الذين لهم بصمات كبيرة وواضحة في الأندلس وأوروبا حتى اليوم، الطبيب ابن الجزار في القيروان، والذي فصَّل في كتابه الكثير من الأمراض الجنسية وطرق علاجها، وقد استفاد منها الغرب بصورة كبيرة، وصنعوا منها أدوية للرجال وللنساء، لا تزال تستخدم حتى اليوم.

العمارة الإسلامية
* وكيف تنظر إلى العلوم المعمارية والتحف الفنية الأندلسية المتمثّلة بالقصور والمساجد في غرناطة والحمراء وقرطبة.؟
- هذا أمر آخر ومهم جداً، وهو الناحية المعمارية، فالكثير من الزخارف والطرق المعمارية التقنية البديعة، لا تزال تعدّ من أشهر ما تركه المسلمين العرب في الأندلس، إذ لا تزال القصور والأبنية المميزة التي بنيت على أيدي عرب “المورسكيون” شاهداً واضحاً على التقدم المعماري لدى المسلمين آنذاك. والمورسكيون هم البقية الباقية من المسلمين العرب الذين بقوا في الأندلس بعد خروج المسلمين منها، واندمجوا مع المجتمع النصراني بعد سيطرة إسبانيا النصرانية على الأندلس. وهؤلاء هم الذين كانوا يبنون أشهر وأفخم الأبنية الأندلسية، حتى الكنائس منها.. ومن المعروف في إسبانيا أن الكنائس لها طابع مورسكي، لأنها بنيت على يد العرب المسلمين.
فالحضارة الإسبانية فيها الكثير من العظمة والتاريخ الزاخر بالمسلمين والعرب، ولكن في نفس الوقت، فيها الكثير من المآسي، والأحزان على ضياع تلك الحقبة التاريخية المميزة. ونحن الآن لا نتحدث عن المآسي بل نتحدث عن العظمة وعن العلم الذي قدمه الأندلسيون إلى الغرب، وبه تم الارتقاء بالبشر وبالعالم، ووصلنا إلى ما وصلنا إليه من الحضارة.
* كيف يتعامل الإسبان اليوم مع الآثار الإسلامية الأندلسية التي تركها العرب هناك؟ هل ينظرون إليها على أنها تراث وتاريخ مشرّف، أم أنهم يحاولون طمسها؟
- يمكن التمييز اليوم في إسبانيا بين صنفين رئيسين من المتعاملين مع الحضارة الأندلسية، يمكن ملاحظة ذلك بشكل أساسي وواضح من خلال العاملين في مجال الأدلة السياحية “الدليل السياحي”، والذين يقومون بتعريف السياح على المناطق الشهيرة والمعروفة في إسبانيا، ويروون لهم تاريخها وتراثها. حيث نجد البعض منهم يذكر حقبة الحضارة الأندلسية الإسلامية على أنها جزء مهم وأساسي من تاريخ إسبانيا المتنوّع. ويذكرونها على أنها حقبة تاريخية لها ما لها، وعليها ما عليها. فيما نجد بعض الأدلة السياحيين يشيرون إلى هذه الحقبة على أنها حقبة فتن ومعارك وغزو خارجي، خرجت فيها إسبانيا عن سيطرة النصارى، لذلك لا يحبون ذكر هذه الحقبة، ولا الحديث عنها، ويرون أن نسيانها ووأدها أولى من الحديث عنها. فيقومون بالتنكر لها ويقولون عنها إنها تاريخ إسباني عربي وليس إسلامياً. رغم أن السياح القادمين من مختلف أرجاء العالم، إلى إسبانيا، يأتون ليطلعوا على النكهة العربية والإسلامية في إسبانيا، وليشاهدوا اللمسة الإسلامية التي خلّفتها حضارة الأندلس هناك.
على سبيل المثال، فإن قصر الحمراء الذي لا يزال موجوداً في إسبانيا، قام الإسبان ببناء قصر أوروبي حديث بجانبه. ورغم ذلك يزوره 10 سياح في اليوم، فيما يدخل القصر الإسلامي “الحمراء” 10 آلاف شخص يومياً.
* أمام كثرة المساجد الأندلسية في إسبانيا.. هل حدث هذا الأمر في مسجد الحمراء فقط، أم أنه شمل غيرها من المساجد الأخرى؟
- طال هذا التصرّف غالبية المساجد، فذات الأمر ينطبق على مسجد قرطبة، الذي يعد من روائع الفن المعماري الإسلامي، والذي قام الإسبان ببناء كنيسة وسطه. وتروي كتب التاريخ أن أحد القادة قال في تلك الأيام للذين بنوا الكنسية وسط المسجد: “إن الذي بنيتموه في هذا القصر لدينا منه الكثير، أما هذا فإنه وحيد”، ومعناه أنهم أساءوا إلى هذا المسجد ببنائهم الكنيسة فيه. حيث يمكن بناء الكنيسة في أي مكان، وهي موجودة في أماكن عديدة بإسبانيا، إلا أن مسجداً إسلامياً مميزاً ومزخرفاً بهذا الشكل، لا يمكن أن يحصل عليه الإسبان مجدداً.
وقد طالب الكثيرون بأن يتم المحافظة على المسجد، ومراعاة روعة بنائه المستمدة من تراث الفن الإسلامي. وللعلم، فإن هذا المسجد موجود حتى الآن، ولا يزال النصارى يصلون في الكنيسة المقامة فيه كل يوم أحد، فيما لا يزال المسلمون يصلون في المسجد الأصلي أيضاً حتى اليوم.
وفي طليطلة عاصمة الدولة الإسبانية، كان هناك مسجد طليطلة، وهو مسجد كبير، لكنه أصغر من مسجد قرطبة. وعند دخول الإسبان للأندلس، وقَّعوا معاهدات وأعطوا تعهدات بأنهم لا يمسوا هذا المسجد بسوء، وأكدوا أنه سيبقى للمسلمين مدى الدهر، ولكن بعد مرور ثلاثة أشهر فقط من خروج المسلمين، حولوا هذا المسجد أيضاً إلى كنيسة، ولا يزال الإسبان يقولون حتى يومنا هذا وبكل وضوح، للسياح والزائرين لتلك المناطق “إن هذه الكنيسة كانت مسجداً، ولكننا حولناها إلى كنيسة بعد خروج المسلمين من الأندلس”.
ونفس الشيء ينطبق على مسجد غرناطة أيضاً، فرغم كل المعاهدات والمواثيق، والوعود التي قطعوها للمسلمين آنذاك بعدم الإساءة للمسجد، حوّلوه بعد مدة زمنية قصيرة إلى كنيسة.

* عندما نسمع شيئاً عن الأندلس ونتذكر الحضارة الإسلامية القديمة التي كانت فيها، يخطر في بالنا سؤال عاطفي.. ترى بعد كل هذه السنوات، ماذا بقي في الأندلس من حضارتنا السابقة؟
إن ما بقي من الحضارة الأندلسية في إسبانيا، هو ما يمكن أن يكون قد بقي من حضارة أسهمت بشكل أساسي وفعَّال في حضارة أمة كاملة، وفي رقي مجتمع محلي وعالمي. فالكثير مما ذكرت لا يزال باقياً للعيان حتى يومنا هذا. وأعتقد أن الحضارة الأندلسية قدمت للغرب الكثير، وقادت أوروبا وإسبانيا إلى أمجاد وحضارة اليوم.
ورغم أن تلك الحضارة السابقة قد اضمحلّت سياسياً وعسكرياً، ولم تعد هناك دولة، بل تحوّلت تلك الحضارة السابقة (الأندلس) إلى دولة أوروبية تدعى (إسبانيا) إلا أنه وحتى اليوم، لا تزال تبحث في التراث الأندلسي عن أمجاد ما كانت لتكون كما هي عليه اليوم، لولا تلك الحقبة المزدهرة والمميزة. لذلك فإننا نجد الكثير من الاهتمام والرعاية الخاصة من قبل الكثير من علماء وساسة إسبانيا بتلك الحقبة. وكذلك اهتمام الكثير من المستشرقين بتلك الحقبة. وقد شهدت حقبة الجنرال السابق فرانكو الذي حكم إسبانيا قبل حلول النظام الملكي إبان الفتنة الإسبانية في الحرب الأهلية في عام 1935 حقبة مهمة على صعيد العودة للتراث الإسلامي الأندلسي. إذ كان الجنرال فرانكو من أكبر المؤيدين للحضارة الأندلسية الإسلامية، والتي كان ينظر إليها على أنها جزء أساسي وثمين من التراث الإسباني، ويجب الاعتناء بها تحقيقاً وتحليلاً وترجمةً.

تونس والأندلس
* نلاحظ أن هناك اهتماماً بالغاً من قبل التونسيين بالحضارة الأندلسية، أكثر من غيرهم من العرب والمسلمين، ما هو سبب ذلك برأيك، أهو قرب البلاد، أم لسبب آخر؟
- عندما قام الإسبان النصارى باجتياح الأندلس، وخرج العرب المسلمون منها، تفرّق العرب في بقية البلدان، وكان لتونس النصيب الأكبر منهم. وكان عددهم آنذاك تقريباً أكثر من 100 ألف. فعندما دخلوا إلى تونس، شهدت البلاد رقياً معمارياً وزراعياً واقتصادياً كبيراً. بل حتى الجبة (القبعة التونسية) التي يلبسها التونسيون اليوم، هي جبة أندلسية الأصل، لأنها صناعة احتفظنا بها منذ قرون طويلة وحتى يومنا هذا.
وقد أدخل الأندلسيون إلى تونس الكثير من أنواع الحلويات والأطعمة والملابس، وكان للمرأة الأندلسية نوع من الحضارة في تعاملها مع زوجها، فهي تهيئ له كل سبل الراحة عند قدومه من العمل إلى المنزل. كما أدخل الأندلسيون معهم الشعر الأندلسي. وبنو في تونس 20 مدينة تقريباً، منها الروان وسليمان وبنزرت ومنزل بو زلفة.

الأربعاء 18 محرم 1430
مصنف ضمن : حوارات
2,575 قراءة