التعليم بطريقة (حل المشكلات) ينمي التفكير المنطقي.. ويعمق العمل الجماعي!

عرض وتحليل/ فيصل المطيري

في دراسة لنيل الدكتوراه حول مناهج العلوم الشرعية الدكتور حمود الطريقي يؤكد:التعليم بطريقة (حل المشكلات) ينمي التفكير المنطقي.. ويعمق العمل الجماعي!
أجرى الدكتور حمود الطريفي دراسة هي عبارة عن أطروحة دكتوراه وتتعلق بمواد العلوم الشرعية، وقد سعى من خلال هذه الدراسة إلى تعرف: “أثر التعليم القائم على حل المشكلات في تنمية مهارات التفكير والتحصيل الدراسي والاتجاه نحو مادة الفقه لدى طلاب المرحلة الثانوية”
وقد أبان الباحث في تقديمه للدراسة أن إعداد المتعلم، القادر على القيام بدور إيجابي، في عمليتي التعليم والتعلم، يتطلب من علماء التربية، ضرورة البحث عن إستراتيجيات تدريس، تساعد المتعلم على إدراك مايتعلمه، وتنمي ثقته في قدرته على حل المشكلات، فيعتمد على نفسه في التعلم، ولا ينتظر أن يقدم له المعلم الحلول الجاهزة للمشكلات العلمية التي تواجهه.
وأضاف الباحث في دراسته التي نال على إثرها درجة الدكتوراه في مناهج العلوم الشرعية، أن من أهم الإستراتيجيات التي تساعد المتعلم في تنمية مهارات التفكير لديه هي إستراتيجية (التعليم القائم على حل المشكلات Problem Based Instruction) والتي يرى التربويون فيها القدرة على تنمية التحصيل الدراسي.

تنمية التحصيل
ولا شك أن الباحث في هذا التوجه إنما يؤكد ما قرره كثير من التربويين من أن إستراتيجية التعلم القائم على حل المشكلات لديها قدرة فائقة على تنمية التحصيل الدراسي. وفي هذا الصدد يذكر الدكتور الطريفي في دراسته أن التعليم القائم على حل المشكلات Problem Based Instruction يتميز عن غيره من الإستراتيجيات الأخرى بعدد من الخصائص من أهمها:
وجود سؤال أو مشكلة تواجه التعلم: فبدلاً من تنظيم الدروس حول مبادئ أكاديمية معينة ومهارات، ينظم التعلم القائم على المشكلات التعليم حول أسئلة ومشكلات مهمة اجتماعياً وذات مغزى شخصي للطلاب. وكذلك له محور متعدد التخصصات، فعلى الرغم من أن الدرس القائم على حل مشكلة قد يتمركز في مادة دراسية معينة، إلا أن المشكلة الفعلية قيد البحث يتم اختيارها؛ لأن حلها يتطلب من الطلاب الاندماج في كثير من المواد الدراسية والموضوعات.

التضافر والدافعية
ويعتبر بحثاً أصيلاً حقيقياً، حيث إن التعليم القائم على حل المشكلة يقتضي أن يواصل الطلاب ويجروا بحوثاً أصيلة لأجل الوصول إلى حلول واقعية لمشكلات واقعية.
ومن ميزاته التضافر، إن التعليم المستند إلى المشكلات يتسم بأن يعمل الطالب الواحد مع الآخرين، وفي معظم الحالات يتم ذلك في أزواج أو في جماعات صغيرة ويوفر العمل معاً دافعية تضمن الاندماج في المهام المركبة، ويحسن فرص المشاركة في البحث والاستقصاء والحوار لتنمية التفكير والمهارات الاجتماعية.
وقد أضاف الطريفي أن هذه المبادئ تتفق مع ما يراه المتخصصون في مجال تعليم العلوم الشرعية، الذين يرون أن أفضل طرق التعليم التي يمكن أن تستخدم في تدريس العبادات والمعاملات طريقة التعليم القائم على حل المشكلات.

تغيير البنية المعرفية
ولقد قام الباحث بتناول هذه القضية المهمة في دراسته من خلال محاولة تحديد مشكلة البحث، والتي ذكر عنها بأن الدراسات التي تناولت تقييم طرق التدريس المستخدمة في تدريس العلوم الشرعية تشير إلى أن غالبية معلمي العلوم الشرعية يركزون على التدريس بالطرق التقليدية التي تعتمد على الحفظ الآلي الاستظهاري للمعلومات والحقائق والمفاهيم دون العناية بربطها بالبنية المعرفية للطلاب، وفي هذه الحالة يكون التعليم أصماً، ولا يحدث تغييراً في البنية المعرفية للمتعلم، وهو ما يعرف “بلفظية التعلم” التي تؤدي إلى ضعف مستوى التعلم والمتعلمين.

ويشير كثير من الدراسات التي تناولت مدى اكتساب الطلاب وتحصيلهم للمفاهيم الفقهية إلى انخفاض مستوى تحصيلهم لها. هذا في الوقت الذي تنص فيه أهداف مادة الفقه في المرحلة الثانوية كما جاءت في وثيقة العلوم الشرعية على مايلي:
- أن يستشعر الطلاب مشكلات المجتمع ويتدربوا على التماس الحلول الشرعية لها.
- أن يتدرب الطلاب على استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية.
- أن تنمو مهارة الطلاب على استنباط حكم التشريع.
ولذا يحرص العاملون في ميدان المناهج وطرق التدريس على التوصل إلى طرق وأساليب تدريس حديثة يمكن من خلالها تجاوز الفجوة الواسعة بين المعرفة وتراكماتها وبين طريقة إيصالها للمتعلمين وربطها ببنيتهم المعرفية ليتحقق التعلم ذو المعنى.

تنمية المهارات
وفي ضوء ذلك تثبت بعض الدراسات “إن التصور الجديد للنظريات التربوية المعاصرة يبتعد عن مجرد التركيز على التلقين إلى التعلم، ومن مجرد نقل المعلومات وحفظها إلى طريقة بناءة من المعرفة، وتنمية المهارات والمنافسات، التي تتطلبها عملية التعلم واستمراره مدى الحياة، والتحول من مجرد طريقة منظمة لمضمون موضوع ذي محتوى مصنف، إلى طريقة أكثر تنظيماً في مجالات دراسة أكثر تكاملاً، ومن طرق موصوفة للتعلم، إلى بدائل أوسع في تحديد خبرات التعلم، ومن التحكم المركزي في المحتوى والتوجيه إلى إدارة مشتركة، وإسهام أوسع وأكبر في عملية تطوير العملية التعليمية”
ولأن طرق التدريس تعد من أهم أركان المنهج بمفهومه الحديث، حيث إنه بقدر نجاحها تتحقق الأهداف المنشودة فإن عناصر المشكلة تتلخص بأن: الأسلوب الغالب في طرق التدريس القديمة هو أسلوب التلقين والحفظ مما يؤدي إلى عدد من النتائج السلبية منها:
الحصول على نماذج من الحفظة دون اجتهاد، وانخفاض مستوى الطلاب وتحصيلهم للمفاهيم الفقهية.
لذا فإن تدرّب الطلاب على التفكير الناقد والإبداعي يسهم في تحقيق الفهم وتحصيل المعرفة عن طريق التفاعل الاجتماعي من خلال اختبار بعض المشكلات الاجتماعية، ودمجها في المواد الدراسية التي من أهمها مادة الفقه التي تعنى بعلاج هذه المشكلات لإيجاد الحلول المناسبة لها.

أهداف الدراسة
وبناء على ما سبق يحاول الباحث تحديد مشكلة البحث في التصور التالي “ما أثر التعليم القائم على حل المشكلات في تنمية مهارات التفكير، والتحصيل الدراسي والاتجاه نحو مادة الفقه لدى طلاب الصف الأول الثانوي” ثم أتبع ذلك بأسئلة متفرعة من هذه المشكلة وهي:
ما أثر التعليم القائم على حل المشكلات مقارنة بالتعليم التقليدي في تنمية مهارات التفكير باستخدام برنامج (كورت1) (Cort 1) في مادة الفقه لدى طلاب الصف الأول الثانوي؟.
وما أثر التعليم القائم على حل المشكلات (كورت1) (Cort 1) مقارنة بالتعليم التقليدي في تنمية التحصيل الدراسي في مادة الفقه عند المستويات العليا للتفكير (التحليل- التركيب -التقويم) لدى طلاب الصف الأول الثانوي؟.
وما أثر التعليم القائم على حل المشكلات (كورت1) (Cort 1) مقارنة بالتعليم التقليدي في تنمية الاتجاه نحو مادة الفقه لدى طلاب الصف الأول الثانوي؟.
وقد سعى الباحث من خلال بحثه هذا إلى تحقيق الأهداف التالية:
اقتراح نموذج للتعليم القائم على حل المشكلات واستخدامه في تعليم الفقه لطلاب المرحلة الثانوية لتنمية التفكير من خلال مواقف موجهة نحو حل المشكلات.
وتعرّف أثر التعليم القائم على حل المشكلات في تنمية مهارات التفكير والتحصيل الدراسي في مادة الفقه لدى طلاب المرحلة الثانوية.
وتعرّف أثر التعليم القائم على حل المشكلات في تنمية الاتجاه نحو مادة الفقه لدى طلاب المرحلة الثانوية.

استثارة مهارات التفكير
كما تمثلت أهمية البحث في أنه: يعد من أوائل البحوث التي استخدمت التعليم القائم على حل المشكلات بالنسبة لتعليم الفقه لطلاب الصف الأول من المرحلة الثانوية في المملكة العربية السعودية، يضاف إلى ذلك ماتحقق في نتائجه من تنمية مهارات التفكير العليا لدى طلاب الصف الأول الثانوي في مادة الفقه، حيث تمت استثارة مهارات التفكير لدى طلاب هذه المرحلة ليصبحوا على معرفة بالقضايا الفقهية المعاصرة وليستنبطوا أحكام التشريع من خلال نموذج التعليم القائم على حل المشكلات (كورت1)، وهو بهذا قدم نموذجاً للتعليم القائم على حل المشكلات في مادة الفقه.
كما تناول الباحث في الإطار النظري معنى الفقه ونشأته وأشهر مؤلفات المذاهب الأربعة وأهم مصادرها، كما تعرض البحث إلى تدريس الفقه بين الطريقة والأسلوب، وقام بتعريف برنامج حل المشكلات وأهميته وإيجابيات التعليم بواسطته ومن حيث علاقته مع النظرية البنائية، وتم إيضاح دور كل من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في حل المشكلات البشرية مع التنويه عن نتائج التعليم القائم على المشكلات في الدراسات الأخرى، ثم تم التعريف ببرنامج (كورت) محل التجربة.

منهجية الدراسة
وقد اعتمد الباحث في هذا البحث على المنهج التجريبي، وتكون مجتمع البحث من جميع طلاب الصف الأول الثانوي في مدينة الرياض وعددهم (29104) طلاب، وجميع مدارس التعليم العام الثانوية (حكومية – أهلية) بمدينة الرياض وعددها (210) مدارس، وكان عدد العينة التجريبية ( 32 ) طالباً، وعدد العينة الضابطة ( 31) طالباً.
واستخدم الباحث أربع أدوات للبحث تم تطبيقهما على المجموعتين (التجريبية والضابطة) وهذه المقاييس هي: اختبار مهارات التفكير والذي تم تصميمه من البنود العشرة التي جاءت في (كورت1) لديبونو، وقد دعمه الباحث باختبار القدرات العقلية (للطريري)، حيث ثبت تساوي المجموعتين في نتائجه، ومن ثم قام الباحث بتطبيق الاختبار التحصيلي الذي صممه لطلاب الصف الأول الثانوي، واتبع الباحث بعد ذلك بتطبيق مقياس اتجاه الطلاب نحو مادة الفقه

توضيح المفاهيم الفقهية
في ضوء النتائج التي توصل إليها البحث الحالي والتي تبين من خلالها: أن استخدام التعليم القائم على حل المشكلات ساعد على تنمية كل من: (مهارات التفكير والتحصيل الدراسي والاتجاه نحو مادة الفقه) لدى طلاب الصف الأول الثانوي، فإن الباحث يوصي بالتالي:
إعادة النظر في تأليف كتاب الفقه للصف الأول الثانوي وذلك من خلال تزويد الكتاب بالأنشطة الصفية القائمة على حل المشكلات التي تسهم بالتالي:
في تنمية (مهارات التفكير) توضيح المفاهيم الفقهية واحتفاظ الطالب بها مدة طويلة.
وتنمية وزيادة (التحصيل الدراسي) وذلك بالتركيز أثناء بناء الاختبارات على المستويات العليا للتفكير كما في تصنيف (بلوم) وهي: ( التحليل والتركيب والتقويم) والتي تقيس قدرة الطالب على التمييز والاستيعاب واستخدام وتطبيق المفاهيم الفقهية في مواقف دراسية وحياتية جديدة.
وتنمية (الاتجاه) الايجابي نحو مادة الفقه والذي ينشأ من ممارسة الطلاب لما يميلون إليه من طرق التدريس الحديثة التي تساعد على توضيح المفاهيم الفقهية واحتفاظ الطالب بها مدة طويلة.

الارتقاء بمستوى الأداء
وفي المجال التدريسي يوصي الباحث بضرورة الاهتمام في برامج إعداد المعلم بكليات التربية لشعب التربية الإسلامية في طرق وإستراتيجيات تدريس (التعليم القائم على حل المشكلات) مما يسهم في التأثير على مستوى الأداء التدريسي.
وتوثيق الصلة بين الطالب والمعلم والمقرر وذلك بأن يربط المعلم الدروس الفقهية بالمشكلات الاجتماعية.
وكذلك الإفادة من تجربة التعليم القائم على حل المشكلات بالأخذ بها كإحدى الطرق المهمة في تدريس مادة الفقه لطلاب المرحلة الثانوية.
بالإضافة إلى الإفادة من مقاييس تجربة التعليم القائم على حل المشكلات (اختبار المهارات، الاختبار التحصيلي، مقياس الاتجاه) في تنمية مهارات التفكير، وتقويم التحصيل في المواضيع الخمسة محل التجربة، والتعرف على الاتجاه نحو مادة الفقه، وتداولها بين معلمي مقرر الفقه للمرحلة الثانوية) .
وتنسيق الجهود بين وزارة التربية والتعليم ومراكز خدمة المجتمع لعقد دورات تدريبية لمعلمي مواد التربية الإسلامية وخاصة المعلمين القائمين بتدريس مادة الفقه حول الأساليب الحديثة في التعليم. وضرورة متابعة الإدارة العامة للإشراف التربوي التابع لوزارة التربية والتعليم لمعلمي مواد التربية الإسلامية وخاصة المعلمين القائمين بتدريس مادة الفقه حول تطبيق الأساليب الحديثة في التعليم.

الدراسات المقترحة
ويوصي الباحث بإجراء دراسات خاصة لمقررات التربية الإسلامية التي لم يتعرض لها البحث الحالي (التوحيد – التفسير – الحديث) في المرحلة الثانوية (والمتوسطة) (بنين) و (بنات) لمعرفة أثر التعليم القائم على حل المشكلات (كورت 1) في تنمية مهارات التفكير والتحصيل الدراسي والاتجاه.
وإجراء دراسة مشابهة للدراسة الحالية على مادة الفقه لبقية صفوف المرحلة الثانوية (الثاني والثالث) .
وكذلك إجراء دراسة عن مدى استخدام معلمي ومعلمات التربية الإسلامية في المرحلة الثانوية لطريقة حل المشكلات في مقررات التربية الإسلامية.
إجراء دراسة عن مدى استخدام معلمي ومعلمات التربية الإسلامية في المرحلة المتوسطة لطريقة حل المشكلات في التدريس.

10 ديسمبر, 2009
مصنف ضمن : دراسات علمية