الموفقون لخدمة الناس وقضاء حوائجهم

بقلم: أ· د· عبدالله بن إبراهيم اللحيدان*

قيام المرء بخدمة الناس وقضاء حوائجهم نعمة عظيمة ومنّة من منن الله على العبد، وهي من الإحسان إلى الخلق، الجالب للخير للعبد من كل الوجوه، قال ابن القيم: “وقد دلّ العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم  على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها على أن التقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير واضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر، فما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمة الله بمثل طاعته والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه، وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة وحصول السرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال ترتيب الجزاء”· وقيام المرء بخدمة المجتمع وقضاء حوائج الناس فيه اقتداء بالأنبياء عليهم  الصلاة والسلام، وتعظيم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في هديه وفيه الأجر العظيم المترتب على ذلك في الدنيا والآخرة، والجزاء من جنس العمل، فالرجل الذي تجاوز عن المعسر تجاوز الله عنه كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسراً قال لصبيانه تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه)· ولذلك فسبيل المحسنين لا يضاهيه سبيل والإحسان إلى الناس باب لدخول الجنة وهو سبيل إلى معونة الله للعبد كما في الحديث: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، وهذا عون مطلق في سائر الأحوال والأزمان، فإن العبد إذا عزم على معاونة أخيه بقلبه أو  بدنه أو ماله أو غيرها، فإن الله في عونه وتأمل دوام هذه الإعانة، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يقيّدها بحالة خاصة، بل أخبر بأنها دائمة بدوام كون العبد في عون أخيه· ويتبين من ذلك عظيم فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما تيسر من علم أو مال أو جاه أو إشارة أو نصح أو دلالة على خير أو إعانة بنفسه أو شفاعته وغير ذلك·

وقضاء حوائج الناس سبيل إلى محبة الناس، إذ النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها· وهو طريق للمرء إلى التجريد وإخلاص القصد ولاسيما قيامه على الضعفاء والأيتام، إن نفع الناس وقضاء حوائجهم والسعي في مصالحهم منحة من الله عزّ وجلّ يمن فيها على من يشاء من عباده، وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (إن لله قوماً يختصهم بالنعم لمنافع العباد ويقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم)· وإنها  لمنحة تدل على محبة الله للعبد وفي الحديث: (أحب العباد إلى الله أنفعهم لعباده)· وفي رواية: (أحب الناس  إلى الله تعالى أنفعهم إلى الناس)·

وإن قيام المرء بذلك سبيل إلى حفظه في دينه ودنياه وأهله وماله، فعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عليكم  باصطناع المعروف، فإنه يمنع مصارع السوء وعليكم بصدقة السر، فإنها تطفئ غضب الله عزَّ وجلَّ)·

ومن علامات التوفيق للعبد أن يشارك الناس همومهم وآلامهم وآمالهم، لا يشغله عنهم شاغل، فيُرى في العزاء وفي الفرح، وعند الحوادث والحاجات، يكفكف دمعة، ويرسم بسمة، ويفتح أبواب الخير  والإحسان·

فهنيئاً لمن وفّق في قضاء حوائج الناس وخدمة المجتمع ولاسيما في العصر الحاضر، حيث تعددت مجالات نفع الآخرين وتيسَّرت كثير من الأسباب المعينة على ذلك والله يهدي من يشاء بكرمه وفضله إلى أحسن الأخلاق والأعمال·

* الأستاذ بقسم الدعوة والاحتساب  بجامعة الإمام

8 مايو, 2010
مصنف ضمن : اللقاء الأخير