صور من إعجاز غيب المستقبل في النصوص الشرعية

بقلم: الدكتور محمد بن إبراهيم الزهراني*

ورد في الكتاب والسنَّة كثير من أنباء غيب المستقبل، منها ما تحقق ومنها ما سيتحقق، وتشكل تلك النصوص مادة دعوية لا يمكن إحصاؤها، ولكن سأعرض لبعض أنباء الغيب المستقبلي في الكتاب والسنَّة، وهي رسالة دعوية تتضمن دقة الإخبار بغيب المستقبل، والمتأمل فيها يوقن أن مصدر الإخبار إلهي، إذ لا يعلم الغيب إلا الله جلَّ جلاله، وإليك بعض الصور:

صور الإعجاز
أولاً: من صور إعجاز غيب المستقبل الوارد في القرآن الكريم:
1 – الإخبار بهلاك أبي لهب وامرأته على الكفر. قال تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5} [المسد: 1 - 5].
قال ابن كثير: وفي هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نزل قوله تعالى: { سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5} }، فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، فلم يقيّض لهما أن يؤمنا ولا واحد منهما لا باطناً ولا ظاهراً لا مسراً ولا معلناً، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة الباطنة على النبوة الظاهرة، لقد حارب أبولهب الدعوة الإسلامية بكل ما أوتي من جهد، بل بلغت عداوته لهذه الدعوة مبلغ المترصد لها في كل مناسبة يشهدها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقف على القبيلة فيقول: يا بني فلان إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئاً وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به، فإذا فرغ من مقالته، قال أبولهب من خلفه: يا بني فلان هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم إلى ما جاء من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه.

الإخبار بالهلاك
إن أبرز ما يستوقف المتأمل في المشهد السابق تكذيب أبي لهب لنبينا صلى الله عليه وسلم، وفي سورة المسد نزل الإخبار الإلهي بهلاك أبي لهب وامرأته على الكفر، فهل يستطيع رجل يدّعي النبوة أن يخاطر بدعوته بخبر كهذا، إن الإخبار اليقيني بهلاك أبي لهب يدل دلالة واضحة على أن من أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم هو من يعلم السر وأخفى، الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، إن وقوف أبي لهب أمام الكعبة وإعلانه لنطق الشهادتين كفيل ببث الاهتزاز تجاه الدعوة الإسلامية، ودفع بعض الناس إلى النظر لهذه الدعوة بعين الشك والريبة، إذ إن تكذيب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم أماني مشركي مكة، ولكن القرآن الكريم يتحدى أولئك القوم، فلم يخبر بمصير أبي لهب وامرأته، بل تعدى ذلك إلى الإخبار بهلاك أبي جهل والوليد بن المغيرة على الكفر، فقال تعالى في شأن{ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيمِ } [الدخان: 47]، وقال في شأن الآخر: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } [المدثر: 26]، وكلاهما مات على الكفر.

فيصل مهم
2 – الإخبار بانتصار الروم على فارس في أدنى الأرض:
قال تعالى: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)} [الروم: 1 - 4]. لم يكن انتصار الروم على فارس حدثاً عابراً أو عادياً، وإن الحديث عن أقوى دولتين على وجه الأرض يعد فيصلاً مهماً في إعجاز غيب المستقبل، فلم ينحصر التحدي بهذا الإخبار الغيبي على المجتمع المكي أو القرى المحيطة به، وإنما تجاوزه إلى العالمية، وللمدعو أن يتأمل كيف لنبي أمي في بيئة أمية يخبر بأن الروم غلبت في أدنى الأرض، وهم من بعد هذه الغلبة سيغلبون وتكون لهم الصولة والجولة، بل إن الإخبار الإلهي لم يكتف بالحديث عن انتصار الروم على فارس، بل حدد حدوث الحدث في بضع سنين.

المخاطرة بالدعوة
والسؤال هنا هل يمكن لهذا النبي الأمي أن يخاطر بدعوته فيتنبأ بحدث عالمي من تلقاء نفسه فيضع دعوته عرضة للتصديق والتكذيب، قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [يونس: 15]، فالذي أخبره صلى الله عليه وسلم هو من خلق الروم والفرس، وما أخبر به الله جلَّ جلاله حقائق لا مناص منها، فقد وقع الحدث وفق الإخبار الغيبي فغلبت الروم الفرس، قال الرسعني: إنه كان بين فارس والروم حرب، فغلبت فارس الروم، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لكون الروم أهل كتاب، وفرح المشركون بذلك؛ لما بينهم وبين فارس من الاشتراك في الإشراك والاتحاد في التكذيب بالمعاد. قال كفار قريش لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: لئن قاتلتمونا لنظهرن عليكم كما ظهر إخواننا على إخوانكم، فأنزل الله تعالى:  {الم(1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ…} الآيات، فخرج بها أبوبكر الصديق إلى المشركين فقالوا: هذا كلام صاحبكم فقال: الله أنزل هذا، وكانت فارس قد غلبت الروم حتى اتخذوهم شبه العبيد. فقالوا لأبي بكر: نراهنك على أن الروم لا تغلب فارس، وكان الذي راهنه أُبي ابن خلف، وقيل: أبو سفيان بن حرب، وذلك قبل تحريم الرهان، فقالوا لأبي بكر: اجعل بيننا وبينك أجلاً ننتهي إليه، فسَمَّو بينهم ست سنين، فلامَ المسلمون أبا بكر على تسمية الست، وقالوا: هلا قررتها كما أقرها الله تعالى، لو شاء الله أن يقول ستاً لقال، فمضت الست قبل أن تظهر الروم فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهر الروم على فارس.
قال الزجاج: “وهذه الآيات التي تدل على أن القرآن من عند الله: لأنه أنبأ بما سيكون، وهذا لا يعلمه إلا الله عزَّ وجلَّ”.

التمكين والاستخلاف
3 – الإخبار بتمكين المؤمنين واستخلافهم في الأرض:
قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [النور: 55].
نشأت الدعوة الإسلامية ضعيفة مضطهدة في المجتمع المكي، فأعرض عنها كثير من سادة قريش وآمن بها بعض مواليهم، فكان المسلمون يسامون سوء العذاب لضعف شوكتهم وقلة عددهم وهوانهم على الناس، وما هجرة الصحابة (رضوان الله عليهم) إلى الحبشة مرتين ثم الأمر بالهجرة إلى المدينة إلا اتقاء شر القوم، وإيجاد بيئة مناسبة تحتضن الدعوة الإسلامية، فكان هجرته صلى الله عليه وسلم مع صاحبه رضي الله عنه امتداداً لحالة تسلط المشركين على الدعوة واتباعها، إذ هاجر صلى الله عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه خفية اتقاء الطلب، وبعد وصولهما إلى المدينة لم يكن المشركون ليدعوا المسلمين يعبدون ربهم ويدعون الناس إلى توحيد الله، فتربصوا بهم وقعدوا لهم كل مرصد، وفي ظل هذا التهديد والوعيد من مشركي مكة أصاب بعض أهل المدينة الخوف، ولا سيما أنهم يدركون لما لمكة من ثقل ديني في نفوس العرب، إلا أن الله جلَّ جلاله تكفل بحفظ هذه الدعوة فنزل الوعد الإلهي بتمكين المؤمنين وإبدال خوفهم أمناً واستخلافهم في الأرض، وهذا ما تحقق في عهده صلى الله عليه وسلم وفي عهد خلفائه من بعده (رضوان الله عليهم)، ليكون هذا الوعد الإلهي شاهداً على مر العصور على مصدر الدعوة الإسلامية.

التأييد بالنصر والاعتزاز
قال ابن عادل: بلّغ أيها الرسول وأطيعوا أيها المؤمنون فقد { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ } [النور: 55]  أي: الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض فيجعلهم الخلفاء والغالبين والمالكين، كما استخلف عليها من قبلهم في زمن داود وسليمان (عليهما السلام) وغيرها، وأن يمكن لهم دينهم، وتميكنه ذلك بأن يؤيدهم بالنصر والإعزاز، ويبدلهم من بعد خوفهم من العدو أمناً، بأن ينصرهم عليهم فيقتلوهم، ويأمنون بذلك شرهم.

الصبر على الأذى
قال أبو العالية: مكث النبي صلى الله عليه وسلم بعد الوحي بمكة عشر سنين مع أصحابه، وأمروا بالصبر على أذى الكفار، فكانوا يصبحون ويمسون خائفين، ثم أمروا بالهجرة إلى المدينة، وأمروا بالقتال، وهم على خوفهم لا يفارق أحد منهم سلاحه فقال رجل منهم: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع السلاح، فأنزل الله هذه  الآية: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم } [النور: 55]. يعني: والله ليستخلفنهم في الأرض ليورثهم أرض الكفار من العرب والعجم فيجعلهم ملوكها وسكانها { كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }.

التقوى بالكلمة الطيبة
وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتينا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أتى إليه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبل، فقال: “يا عدي هل رأيت الحيرة؟” قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها. قال: “فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله” قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين من سعروا البلاد “وإن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى”. قلت: كسرى بن هرمز، “ولئن طالت بك حياة لترين الرجل من مكة يخرج ملء كفه من فضة، أو ذهب يطلب من يقبله منه فلا يجد أحداً يقبله، وليلقين الله أحدكم يوم القيامة وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، وليقولون: “ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالاً وأفضل عليك” فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا الجنة، وينظر عن يساره فلا يرى  إلا جهنم”. قال عدي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة” – قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله تعالى وكنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي صلى الله عليه وسلم (يخرج الرجل ملء كفه).
والشواهد على تحقيق الوعد الإلهي أكثر من أن يحصيها هذا المقام، وكلها تصب في مصب حقيقة واحدة، وتؤكِّد أن هذا الدين لو لم يكن دين الله الذي ارتضاه للعالمين لوجد فيه المدعوون اختلافاً كثيراً، قال تعالى: { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً } [النساء: 122]، وقال تعالى: { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً } [النساء: 82]، وتبقى تلك الحقائق آيات بيِّنات لمن أراد أن يتذكر أو كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

وعد بدخول المسجد الحرام
4- الإخبار بدخول المسجد الحرام:
قال تعالى: { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً } [الفتح: 27]. تُعد هذه الآية الكريمة مرتكزاً مهماً في معالم الدعوة بإعجاز غيب المستقبل، ليس لتضمنها إعجازاً غيبياً وحسب، بل لطبيعة استجابة المدعوين عند تأخر تحقق الخبر، ومجمل تلك الأحداث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه – رضوان الله عليهم – أنهم سيدخلون المسجد الحرام محلّقين رؤوسهم ومقصّرين وفقاً للرؤيا التي رآها صلى الله عليه وسلم في منامه، إلا أنهم حينما وصلوا إلى الحديبية، صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي مكة على عدة شروط هي:
- أن يرجع الرسول صلى الله عليه وسلم من عامه، فلا يدخلها إلا بعد عام بسيوف في أغمادها.
- إيقاف الحرب بين المسلمين وقريش عشر سنوات.
- من أحب أن يدخل في عهد المسلمين أو قريش فله ذلك، ويعد الاعتداء عليه اعتداء على الطرف الموالي له.
- من هرب من قريش إلى المسلمين يرد إلى قريش، ومن فرَّ من المسلمين إلى قريش لا يرد إلى المسلمين.

وقع بنود الاتفاقية
لقد أشعلت بنود هذه الاتفاقية غيظ المسلمين، فلم يعجبهم أمران الأول: ما يتعلق بأول بنود هذه الاتفاقية والذي ينص على عدم دخولهم مكة ذلك العام.
والثاني: أن الصحابة شعروا بالضيم والذلة في مضامين تلك الشروط، والذي يهمنا من هذه الحادثة هو تكدر الصحابة – رضوان الله عليهم – من البند الأول، إذ إن إخبار النبي صلى الله عليهم وسلم بدخول المسجد الحرام بمثابة الحقيقة الواقعة، ورغم أن إخباره صلى الله عليه وسلم لم يتضمن عاماً بعينه إلا أنهم عندما تيقنوا عدم دخولهم ذلك العام أخذتهم موجة من التساؤلات والظنون، تمثَّل ذلك في أمره صلى الله عليه وسلم لأصحابه – رضوان الله عليهم – بنحر الهدي بعد فراغه من إبرام الصلح من قريش، وكانت المفاجأة أن لم يقم أحد من الصحابة – رضوان  الله عليهم – فدخل صلى الله عليه وسلم على أم سلمة – رضي الله عنها – فذكر لها الأمر، فأشارت عليه أن أخرج ولا تكلم منهم أحداً وانحر هديك وادع حالقك، ففعل صلى الله عليه وسلم فلما رأى الصحابة – رضوان الله عليهم – ذلك قاموا فنحروا وحلقوا.

شعور بالحزن
إن مرد تأخر استجابة الصحابة – رضوان الله عليهم – لأمره صلى الله عليه وسلم يعكس مدى شعورهم بالحزن، واندهاشهم من عدم تحقق ما أخبرهم به صلى الله عليه وسلم من دخول المسجد الحرام، ولعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهم كان أشدهم حزناً، فعن أبي وائل رضي الله عنه قال: جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: “بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: “بلى” قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً” فانطلق عمر فلم يصبر متغيظاً، فأتى أبا بكر، فقال يا أبا بكر ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطاب، إنه رسول الله ولن يضيعه أبداً، فنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح، فأرسل إلى عمر فاقرأه إياه، فقال: يا رسول الله أوفتح هو؟ قال: “نعم” فطابت نفسه ورجع.

حكمة الصلح
والمتأمل في حال الصحابة وعمر – رضوان الله عليهم – يجد أن اهتزازاً خالط نفوسهم وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأقرب الناس إليه، فلم يسبق للتاريخ أن رصد تأخر الصحابة – رضوان الله عليهم – لأمره صلى الله عليه وسلم، ومرد تأخرهم عدم إدراكهم لحكمة ذلك الصلح، وعدم إحاطتهم بالغيب المستقبلي، إلا أن الذي يعلم السر وأخفى هو من أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك الصلح قال تعالى: { فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً } [الفتح: 27]، فإذا كان هذا موقف الصحابة – رضوان الله عليهم – من غيب المستقبل، من حقيقة وقعت فكيف موقف سائر المدعوين، إن اختلاف خبر واحد أخبر به القرآن الكريم أو السنَّة المطهرة كفيل بأن يجعل أعداء الدعوة يشرقون به ويغربون، ولكنه كلام العليم الخبير، قال تعالى: { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً } [النساء: 82]، وهذا يؤكِّد دقة الأخبار الغيبية الواردة في الكتاب والسنّة فقد تحقق الفتح ودخل المسلمون المسجد الحرام، وكان ذلك الصلح بداية طور جديد للمسلمين، إذ دخل الآلاف بعده في الإسلام.
قال العز بن عبدالسلام: {الرُّءْيَا} كان الرسول صلى الله عليه وسلم رأى أنه يدخل مكة على الصفة المذكورة فلما صالح بالحديبية ارتاب المنافقون فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: فما رأيت في هذا العام {فعَلَمَ} أن دخولها إلى سنة ولم تعلموه أنتم، أو علم أن بها رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم {فّتًحْا قّرٌيبْا}، صلح الحديبية.

الإخبار عن اليهود
- الإخبار بعدم تمني اليهود الموت:
قال تعالى: { قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)} [البقرة: 94 - 96].
قوله تعالى: { قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ }، كانت اليهود تزعم أن الله تعالى لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل وولده، فنزلت هذه الآية. ومن الدليل على علمهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم صادق، أنهم ما تمنوا الموت، وأكبر الدليل على صدقه أنه أخبر أنهم لا يتمنونه بقوله تعالى: { وَلَن يَتَمَنَّوْهُ }، فما تمناه أحد منهم. والذي قدمته أيديهم: قتل الأنبياء وتكذيبهم، وتبديل التوراة.

الرد بحجج عقلية
والمعنى: ولتجدنَّ اليهود في حال دعائهم إلى تمني الموت أحرص الناس على حياة، وأحرص من الذين أشركوا، ومثله ما جاء في سورة الجمعة، فالقرآن الكريم يتتبع شبههم ويرد على أباطيلهم بحجج عقلية ضمن أنباء غيب مستقبلي قال تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ(7) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (8)} [الجمعة: 6 - 8].
قوله تعالى: { إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء }. وذلك أن اليهود، قالوا: نحن ولد إسرائيل الله، ابن ذبيح الله، ابن خليل الله، ونحن أولى به صلى الله عليه وسلم من سائر الناس، وإنما تكون النبوة فينا. فقال الله عزَّ وجلَّ لنبيه (عليه الصلاة والسلام): {قٍلً}  لهم إن كنتم { أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ } لأن الموت خير لأولياء الله من الدنيا، وذلك أن اليهود علموا أنهم أفسدوا على أنفسهم أمر الآخرة بتكذيبهم محمداً، وكانوا يكرهون الموت، فقيل لهم: لا بد من نزوله (بكم) بقوله تعالى: { فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ } [الجمعة: 8]، وفي مضامين هذا التحدي دعوة لليهود وغيرهم، وفيه آية لمن أراد منهم أن يتذكر بهذا الإخبار الغيبي.

* الأستاذ بكلية الدعوة والإعلام قسم الدعوة

السبت 30 رجب 1431
مصنف ضمن : دراسات علمية
3,946 قراءة