التكافل الاجتماعي·· داعم للوحدة!

تحقيق/ فوزية المحمد

شرع الإسلام التكافل الاجتماعي·· تكافل بين القلوب، والنفوس في السراء والضراء·· يشيع السعادة والطمأنينة ويعمق الإخاء والمحبة بين الجميع· والإسلام حين ينادي بفكرة التكافل الاجتماعي لا يجعله قاصراً على المطالب الغذائية، أو السكنية، أو الاستهلاكية فحسب بل جعله شاملاً لكل حقوق الإنسان في الحياة المادية، والمعنوية، بما في ذلك مشاركة الناس في أفراحهم·· وتخفيف ما نستطيع من آلامهم· عدد من الأكاديميين والمشايخ تحدثوا عن صور التكافل في المجتمع المسلم، وكيفية ترسيخه في نفوس المسلمين خاصة في عصرنا الحالي الذي اختفت فيه كثير من القيم· ونطلع على مرئياتهم عبر التحقيق التالي·

مسؤولية مشتركة

أهاب فضيلة رئيس محكمة الاستئناف عضو المحكمة العليا الشيخ عبد العزيز ابن صالح الحميد بأفراد المجتمع الموسرين بتفقد حاجات إخوانهم ومساعدتهم، وخصوصاً من الأرحام والأقارب، محذراً من الآثار الخطيرة التي قد تترتب على المجتمع ككل في حال انتشار ظاهرتي الفقر، والحاجة مع ما قد يصاحبها من ضعف الوازع الديني لدى بعض الأفراد·

وأكد فضيلته أن الدين الإسلامي حثَّ على التكافل الاجتماعي، ورغب فيه من خلال تشريعاته المحكمة في كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم وقال: إن المتأمل في أسس البناء الاجتماعي في الإسلام يلحظ أن الإسلام اهتم واعتنى عناية فائقة في هذا البناء خصوصاً فيما يتعلق بالتكافل الاجتماعي، الذي يُعد مسؤولية مشتركة بين الدولة وبين أفراد المجتمع·

وأبان فضيلته أن أهمية التكافل الاجتماعي تظهر في عدد من الأمور:

أولاً قوة البناء الاجتماعي، وثانياً: نشر المحبة بين أفراد المجتمع، وثالثاً: حفظ الأمن ومحاربة الجريمة، ورابعاً: التطلع إلى رضاء الله سبحانه وتعالى وابتغاء ما عنده من أجر عظيم· وقال: إن قوة البناء الاجتماعي عندما يهتم المجتمع وجميع مؤسساته بأهمية التكافل الاجتماعي من رعاية الأسر ومحاربة الفقر وإيجاد مؤسسات اجتماعية سواءً كانت حكومية أو خيرية أو غير ذلك من جهود الأفراد تعتني بهذا الجانب فإن ذلك من الدعائم القوية في البناء الاجتماعي وإذا توفر البناء الاجتماعي فإن ذلك يكون سبباً في نشر المحبة والإخاء بين أفراد المجتمع وتظهر هذه المحبة جلية في التعاون على الخير والبعد عن أسباب الشر·· ولذلك تتأكد هذه الحقيقة في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم) ولا يكون نشر السلام إلا إذا كان كل فرد يحمل من الخير لأخيه ما يدعوه إلى السلام عليه والتلطف به·· إن من يتقاعس عن مساعدة إخوانه المحتاجين وبخاصة الأقرباء والجيران، فإنه بذلك ينشر الكراهية ويجعل الصدور مليئة بالحقد فليس من الأخوة ولا من المحبة في شيء إذا أعطاك الله مالاً ولك أقارب ولا تقف مع المحتاج منهم، إذا لم يكن من الصدقة التي رغب الله إليها بقوله: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً }·

فمن باب الزكاة الواجبة عليك ودفع الزكاة للقريب المحتاج فيها أجران أجر الصدقة وأجر صلة الرحم· وعن حفظ الأمن ومحاربة الجريمة قال عضو المحكمة العليا: من الثابت في الدراسات المتخصصة أن من أسباب الجريمة وجود الأفراد الذين يعيشون في أسر فقيرة لا تستطيع أن تلبي حاجاتهم الضرورية وإذا ضعف الوازع الديني وإذا رأى الفقير الأغنياء وهم معرضون عن مساعداتهم وإذا اقترن ذلك بعدم وجود العمل والبطالة فإن ذلك يساعد على الجريمة·· ولهذا فإن من آكد أسباب محاربة الجريمة في المجتمع تحقيق التكافل الاجتماعي وأن يعي الغني دوره في المجتمع فيخرج زكاته كما أمره الله بدون بخس ولا مكس ولا نقصان·· الزكاة لو تم إخراجها كما أراد الله لقضينا على الفقر ولساعدنا في محاربة الجريمة لذلك أؤكد على من أعطاه الله مالاً أن يبادر إلى إخراج زكاته مساهمة صادقة منه في تخفيف أعباء الحياة على إخوانه المحتاجين، وأبرأ الذمة أمام الله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }·

فضل الإنفاق

وبشأن التطلع إلى رضاء الله سبحانه وتعالى قال الشيخ: ومن أراد أن يفوز برضوان الله وابتغاء ما عنده·· وأن يبارك الله في ماله وصحته وولده فإن الإنفاق على المحتاجين ومواساة المعوزين وجبر انكسار المنكسرين وإغاثة الملهوفين يحقق ذلك كله مع الفوز بجنة عرضها السموات الأرض أعدت للمتقين قال تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)}، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : (ما هلك مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة)·· وفي الحديث صنائع المعروف تقي مصارع السوء·· ولقد رغب الله سبحانه وتعالى في الإنفاق ووعد بالخلف: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ }، وقوله: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، وقوله: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً }، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : (اتقوا الله ولو بشق تمرة)·

وختم رئيس محكمة الاستئناف عضو المحكمة العليا حديثه عن أهمية التكافل الاجتماعي بتذكير المسلمين وهم يعيشون هذه الأيام فصل الشتاء بتفقد المحتاجين ومساعدتهم سواء مساعدات عينية أو مادية، وأن نحرص جميعاً على ذلك خصوصاً أصحاب الظروف الخاصة والمرضى والأرامل والأيتام·· وإذا كان هناك جهود مشكورة لبعض التجار في المملكة فإن التنسيق فيما بينهم أمر مطلوب خصوصاً في المساعدات العينية من أغذية وبطاطين وألبسة ونحوها·

التضامن والإعالة والرعاية

الدكتورة نجلاء الجريد عميدة كلية التربية سابقاً تقول: التكافل الاجتماعي هو التعاون التام بين أفراد المجتمع لتحقيق الصالح العام، ويضمن للناس في كل زمان ومكان الرفاهية والأخوة والأمان، فمجتمع التكافل الاجتماعي هو مجتمع الجسد الواحد، فالتكافل يحقق التضامن والإعالة والرعاية على النحو الذي يجبر القصور الحادث في طرف من أطراف علاقة التكافل فهو تفاعل بين طرفين أو أكثر·

ومما لاشك فيه أن تحقيق التكافل الاجتماعي في المجتمع المسلم فريضة وضرورة فرضتها أحكام الشريعة الإسلامية في آيات قرآنية، وأحاديث نبوية كثيرة وقد جاء الإسلام بدين الفطرة، قال تعالى: {فٌطًرّتّ پلَّهٌ پَّتٌي فّطّرّ پنَّاسّ عّلّيًهّا} فالناس بطبعهم مدنيون، والإنسان السوي يحب الناس ويحب السلام والأمان مع أقرانه من الناس، أما ترى أن فطرة الدين الخالد الذي جاء لكل زمان ومكان وجاء للثقلين عامة من جن وإنس قد بُنيت أركانه من خمسة أركان لا يصح دين وإسلام المرء بسقوط أحد هذه الأركان، وكل ركن من هذه الأركان يحثّ على التكافل الاجتماعي، فلو جئنا للركن الأول: وهو الشهادتان، وهذان الشهادتان لا يصح لأي مسلم أن يكون مسلماً إلا بالإقرار بهما ونطقهما وتعاهدهما يومياً في دبر كل وضوء، وفي الترديد مع المؤذن وفي كل تشهد في أي صلاة يؤديها، وهذا ذاته يبين مدى اتحاد كلمة جميع المسلمين على كلمة واحدة وهي كلمة التوحيد، بحيث إنه من بدّل غيرها فقد خرج أصلاً عن دائرة الإسلام، ثانياً الصلاة وما فيها من تراصٍ للصفوف وتلاحم، ثم يبدأ بعد ذلك التعارف بين المصلين قبل وبعد أداء الصلاة، وربما يتعرف الناس على جيرانهم من خلال وجودهم في المسجد، ثم يأتي السؤال عن مكانه وأحواله، ثم يأتي السؤال من المسلم عن أخيه المسلم إذا تغيّب عن المسجد لعدد من الفروض، وهذا من التكافل الاجتماعي·

أقوى صور الحب

وأضافت: لاحظتُ أن التعرّف على الناس في مكان طاعة من الطاعات ومحبتهم فيما بينهم هي من أشد وأقوى صور الحبّ في الله وهو شيء مشاهد ومجرّب، ثالثاً: إيتاء الزكاة وهي مظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي والمالي حيث ينفق الغني من ماله الذي ما لبث أن تعب ليلاً ونهاراً حتى يجمعه ثم ينفق منه حقاً مفروضاً لأهل الزكاة، ونجد أن الإخلال وإنكار هذا الركن أو صحته أو فرضيته مخرج عن الملة كما قاتل أبو بكر من منع الزكاة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل إننا بجانب كون إنفاق المال كزكاة ركنا من أركان الإسلام نجد كذلك إنفاقه في كثير من الكفارات والأحكام الإسلامية كحق مشروع ومفروض ككفارة اليمين، وكفارة الظهار، والعوض عن صيام رمضان لمن لم يستطع الصوم، والفدية في بعض أحكام الحج والعمرة، وغيرها، رابعاً: صوم رمضان وفي هذا الركن يتجلّى واضحاً إحساس المسلم بأخيه الفقير المعدم الذي لا يجد الطعام إلا نادراً فيبعثه على التصدق والإحسان وهذا من التكافل الاجتماعي والمالي معاً، بل إن أجر الصدقة في رمضان مضاعفة أكثر من غيره من شهور السنة، ويتجلى أيضاً تسابق الناس على إفطار الصائمين ومدى الأجر الذي يجده المفطّر لهؤلاء الصائمين، وغير ذلك من اجتماع الناس على صلاة التراويح وصفاء أنفسهم في هذا الشهر الذي قد غلّقت فيه أبواب النيران وفتّحت فيه أبواب الجنة، بل إن الإنسان لا يصح له أن يبدأ بالصيام في بلدة أتمت شهر شعبان 30 يوماً إذا علم أن هناك بلدة أخرى قد بدأت الصيام، وكذلك بالنسبة للإفطار، وهذا كله حتى يتم اجتماع الأمة ويزداد توحد الصف ولا يختلف الناس في بلدة واحدة، ويظهر مظهر التكافل الاجتماعي، ويأتي بعد ذلك الركن الخامس: وهو الحج كمظهر خامس من مظاهر التكافل الاجتماعي حيث يجتمع المسلمون من كل حدبٍ وصوب، ومن كل جنسٍ ولون، ومن شتَّى بقاع الأرض ومختلف أماكنهم، وباختلاف لغاتهم، يجتمعون لأداء نسكٍ واحد، وفي مكان واحد، الغني والفقير، والرئيس والمرؤوس، الصغير والكبير، الأبيض والأسود، القوي والضعيف، قد لبسوا لبساً واحداً، ولبوا تلبية واحدة، وقصدوا مشاعر مقدسة واحدة، وأدوا نسكاً واحداً، وشعائرهم التعبدية واحدة، وتحللهم في نفس الوقت ونفس اليوم (يوم الحج الأكبر)، ونفرتهم وتنقلاتهم بين المشاعر واحدة وفي نفس الزمن، لأن ربهم واحد، ألا تعلمنا هذه الأركان الخمسة لمن كان يؤديها بمعنى التكافل الاجتماعي، ومبدأ اجتماع الكلمة وتوحد الصف وتصافي النفوس والاجتماع على الهدى والتقوى والقوة والمنعة التي تجعلنا نعتز بها، إنه لحريٌّ بنا أن نتفكر في مدى التزامنا بهذه الأركان ومدى تطبيقنا لها وبعدها نجد أنفسنا قد حققنا مبدأ التكافل الاجتماعي لا شعورياً دون الحاجة لأن نكتب عنه مقالات أو ننشر عنه نشرات تحث وترغبُ عليه، فهو من أصل ديننا ومن أصل عقيدتنا، ولكن كل ما علينا فعله هو التزامنا حقاً بأركان ديننا وتطبيقها حق التطبيق·

مدلولات التكافل

الدكتورة منى العيدان أستاذ الإدارة والتخطيط التربوي المساعد بجامعة الملك فيصل قالت: الإسلام بتشريعه الخالد ومبادئه السامية وأنظمته العادلة وتوجيهاته الصادقة حقق للمجتمع أرقى صور التكافل بالمفهوم الواسع الشامل· والشواهد من نصوص الكتاب والسنَّة كثيرة· ويشمل التكافل في الإسلام مدلولات البر والإحسان والصدقة والزكاة وكل ما يتصل بهذه الألفاظ مما يعطي معنى التعاطف والتعاون والتراحم بين الناس، قال تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً } [النساء: 36]· وقال تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ } [البقرة: 177]· وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } [المائدة: 2]، وقال صلى الله عليه وسلم: “ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى”، وقال صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”، وقال صلى الله عليه وسلم: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضها بعضاً”، وقال صلى الله عليه وسلم: “خير الناس أنفعهم للناس” هذه النصوص الكريمة وغيرها صريحة واضحة تخاطب أصحاب الأموال وتذكرهم أن لهم إخواناً في العقيدة والدين يحتاجون إلى العون والمساعدة والأخذ بأيديهم ليتم تكافل البناء، وليصبح قوياً صامداً أمام التيارات والرياح وليبقى الداخل نظيفاً متطابقاً تماماً مع الخارج قلوبهم نظيفة يعطف الأغنياء على الفقراء ويحب الفقراء الأغنياء لا حسد ولا ضغينة ولا بغضاء· مجتمع متماسك متعاون تسوده المحبة والإخاء ويهيمن عليه الإخلاص والوفاء ويرفرف عليه الولاء والعطاء·

أساس الأخوة

وقد تحقق هذا المجتمع على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتمثل الرعيل الأول كل هذه الصفات وقام عليها، ولذا جسَّد الله تعاونهم في قرآن يتلى إلى يوم القيامة {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ }، هذا وقد أتت عناية القرآن الكريم بالتكافل ليكون نظاماً لتربية روح الفرد وضميره وشخصيته وسلوكه الاجتماعي، وليكون نظاماً لتكوين الأسرة وتنظيمها وتكافلها، ونظاماً للعلاقات الاجتماعية، بما في ذلك العلاقة التي تربط الفرد بالدولة، وفي النهاية نظاماً للمعاملات المالية والعلاقات الاقتصادية التي تسود المجتمع الإسلامي· ومن هنا فإن مدلولات البر والإحسان والصدقة تتضاءل أمام هذا المدلول الشامل للتكافل· ولقد وضع القرآن أسساً نفسيةً وأخرى مادية لإقامة التكافل الاقتصادي والاجتماعي بين أفراد المجتمع الإسلامي· ولعلَّ من أهم الأسس النفسية هو إقامة العلاقات المادية والمعنوية على أساس الأخوّة، لقوله تعالى: {ِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } وربط الإيمان باستشعار حقوق الأخ، كما رتَّب على رابطة الأخوّة الحب؛ فلا يؤمن الإنسان المسلم، ولا ينجو بإيمانه، ما لم يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه ويعيش معه كالبنيان يشد بعضه بعضاً· وجعل العدل وحفظ الحقوق من قيم الدين الأساسية، بل نُدب إلى عدم الاقتصار على العدل وهو إحقاق الحق، أو إعطاء كلِّ إنسان حقه من دون ظلم، وإنما الارتقاء إلى الإحسان وهو التنازل له عن بعض الحقوق· ومن الأسس النفسية أيضاً الإيثار وهو عكس الأثرة والأنانية· والإيثار تفضيل الآخر على النفس من أجل إشاعة جو العفو والرحمة وهي الغاية التي جاءت من أجلها الشريعة· إن المجتمع القوي المتماسك هو الذي يكون بين أفراده تعاون وتفاهم ومودة ورحمة ومن الضروري لبقائه وتماسكه أن يظل لذلك وإلا عدت عليه عوادي الزمان وهدمته نوازل الحياة وأصبح عرضة للخراب والدمار·

نظام لتربية الروح

الدكتور محمد المقرن أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الإمام يقول: لقد عُني القرآن بالتكافل ليكون نظاماً لتربية روح الفرد، وضميره، وشخصيته، وسلوكه الاجتماعي، وليكون نظاماً لتكوين الأسرة وتنظيمها وتكافلها، ونظاماً للعلاقات الاجتماعية، بما في ذلك العلاقة التي تربط الفرد بالدولة، وفي النهاية نظاماً للمعاملات المالية والعلاقات الاقتصادية التي تسود المجتمع الإسلامي· ومن هنا، فإن مدلولات البر، والإحسان، والصدقة تتضاءل أمام هذا المدلول الشامل للتكافل·

ويضيف الدكتور المقرن: التكافل في المجتمع الإسلامي معناه أن يكون أفراد المجتمع مشاركين في المحافظة على المصالح العامة والخاصة ودفع المفاسد والأضرار المادية والمعنوية بحيث يشعر كل فرد فيه أنه إلى جانب الحقوق التي له أن عليه واجبات للآخرين وخاصة الذين ليس باستطاعتهم أن يحققوا حاجاتهم الخاصة وذلك بإيصال المنافع إليهم ودفع الأضرار عنهم· إن المجتمع المسلم هو الذي يطبق فيه الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة ونظاما وخلقا وسلوكاً وفقا لما جاء به الكتاب والسنَّة واقتداء بالصورة التي طبق بها الإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده· وعندما يلتزم المجتمع بهذه القاعدة يجد التكامل الاجتماعي مكانه بارزاً في المجتمع بحيث تتحقق فيه جميع مضامينه، ذلك أن الإسلام قد أهتم ببناء المجتمع المتكامل وحشد في سبيل ذلك جملة من النصوص والأحكام لإخراج الصورة التي وصف بها الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك المجتمع بقوله: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر” لذا: فإن التكافل الاجتماعي في الإسلام ليس مقصوراً على النفع المادي، وإن كان ذلك ركن أساس فيه، بل يتجاوزه إلى جميع حاجات المجتمع أفرادا وجماعات، مادية كانت تلك الحاجة أو معنوية أو فكرية على أوسع مدى لهذه المفاهيم، فهي بذلك تتضمن جميع الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات داخل الأمة· والتكافل الاجتماعي في الإسلام ليس معنياً به المسلمين المنتمين إلى الأمة المسلمة فقط، بل يشمل كل بني الإنسان على اختلاف مللهم واعتقاداتهم داخل ذلك المجتمع·

ويضيف أن الإسلام قد أقام تكافلا مزدوجا بين الفرد والجماعة فأوجب على كل منهما التزامات تجاه الآخر ومازج بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة بحيث يكون تحقيق المصلحة الخاصة مكملا للمصلحة العامة وتحقيق المصلحة العامة متضمنا لمصلحة الفرد، فالفرد في المجتمع المسلم مسئول تضامنيا عن حفظ النظام العام وعن التصرف الذي يمكن أن يسيء إلى المجمع أو يعطل بعض مصالحه، كما أن الفرد مأمور بإجادة أدائه الاجتماعي بأن يكون وجوده فعالا ومؤثرا في المجتمع الذي يعيش فيه·

مفهوم التكافل

الدكتورة لطيفة المخضوب أستاذة بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن: تؤكد أن الإسلام نظم حياة المسلم فردا، ومع أسرته ومجتمعه، مادياً ومعنوياً، ففرض عليه فروضا يؤديها، وأوجب له حقوقا على مجتمعه؛ لتستقيم الحياة ويسود النظام والأمان، والترابط بين أفراده، ففي الحديث الشريف قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه) في هذا الحديث العظيم يتجسد لنا مفهوم التكافل الاجتماعي في أكمل صوره، هذا التكافل الذي يتبجح الغرب به وينادون به وينشئون الجمعيات والمراكز لتعزيزه شرّعه الإسلام قبل ما يزيد على أربعة عشر قرنا؛ هذا المفهوم الذي يركز على بناء مجتمع متلاحم، يحس بعضه بألم بعض، كما صور ذلك ببلاغة ودقة الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله بتصوير بلاغي بديع: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ما أروع هذا التشبيه وما أجمله للمجتمع المسلم الذي يشبه الجسد الواحد الذي تصيبه الحمى عندما يتألم جزء منه··· إن مفهوم التكافل في الإسلام يركز على بناء مجتمع يرتبط ببعضه برباط قوي من التراحم والتعاضد والتواد ونصرة بعضه لبعض، فالقادر يساند العاجز والغني يعطف على الفقير ويمد له يد السخاء بلا منّ ولا أذى نفسي، فيفرض عليه الزكاة واجبا وركنا من أركان الإسلام، ويحثه على الصدقة ويوجب عليه الكفارات والوفاء بالنذور ولايقف التكافل في الإسلام عند حدود العطاء المادي فقط بل يتعداه إلى كافة أشكال التعاون بين أعضاء المجتمع في حدوده الصغيرة والكبيرة بدءا بالأسرة··· فمن أنماط التكافل التي تتوجب على كل فرد وقد يغفل عنها بعضهم: إماطة الأذى عن الطريق، والتناصح بين المسلمين، والدفاع عن عرض أخيك المسلم، وحسن الظن به، واحترام حقوق المارة في الطريق، ورعاية حقوق الجار، وكشف المفسدين، واحتواء النادمين، وتبادل الهدايا بين المسلمين التي تورث المحبة كما بيَّن ذلك صلى الله عليه وسلم: “تهادوا تحابوا”

إثارة مشاعر العطف

وأضافت: كل ما يساهم في صيانة المجتمع المسلم وتقارب أفراده يدخل تحت مظلة التكافل الاجتماعي قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }· إن المجتمع الذي يعرف كل فرد واجبه ويؤديه حسب قدرته مهما كان صغيراً هو مجتمع تقل فيه الجرائم ويشيع التكاتف بين أفراده وتسوده الألفة، لأن كل فرد فيه له دور إيجابي فاعل·

وأشارت إلى أن الله تعالى شهد للإسلام بأنه دين كامل وشامل لجميع نواحي الحياة، مافرط الله تعالى فيه من شيء، وقد أولى الجوانب الاقتصادية والتكافل الاجتماعي أعظم العناية والبيان وقد جاء أعظم التأكيد والإرشاد في كتاب الله الكريم وفي السنَّة النبوية وفي سلوك الصحابة رضوان الله عليهم ومن تبعهم من علماء المسلمين على أهمية التكافل بين أفراد المجتمع، وإقامة النظام الاقتصادي الذي يحقق العدالة الاجتماعية التي أولاها الإسلام عنايته الفائقة· وفي القرآن الكريم آيات عديدة في بيان هذا الاتجاه والترغيب فيه وإثارة مشاعر العطف والإحساس في نفوس المسلمين تجاه الآخرين والدعوة إلى الكرم والإنفاق والتنفير من الشح والبخل· قال تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } ، كذلك السنَّة النبوية جاءت بتأكيد كل تلك المعاني النبيلة التي تؤدي إلى أسمى التكافل بين المسلمين وإلى إقامة أروع نظام اقتصادي ناجح، ومن مميزات التكافل الاجتماعي في الإسلام أن له صيغة الشمولية فهو لا يقف عن جهة أو مجتمع أو شخص وإنما ينظر فيه إلى جميع الأمة على أنها كالجسد الواحد وأن مضرة الفرد كمضرة الجميع، والعكس مما يدل على تحقيق جميع أنواع التكافل سواء بين الإنسان ونفسه أو بين أفراد أسرته أو جماعته أو بين أمة وأمة، فالتكافل لا حد له في الإسلام ولا ينحصر في جهة دون أخرى وهذه المزية لا توجد في أي نظام آخر غير الإسلام· ومن مميزاته أيضاً أنه يخاطب ضمير الإنسان وصفة الكرم فيه وترغيبه في الأجر والثواب لتشجيعه على فعل الخير تجاه الآخرين عن رضي واقتناع فيقنعه في داخل نفسه بأن المال كله لله هو ومالكه وأن الله تعالى هو الذي يرزق ويخلف الخير بأفضل منه والصدقة بعشر أمثالها، ويضاعفها أضعافاً مضاعفة فلهذا نجد أن المسلم يقدم ما يقدم من الخير وهو قرير العين لا يفكر في أخذ مقابل من أحد {ِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً }· التكافل الاجتماعي مشروع جبار والناس مستعدون، ولكن من يفجر أنهار العطاء في قلوبهم؟

الأحد 16 ربيع الثاني 1432
مصنف ضمن : تحقيقات صحفية
6,273 قراءة