حتى لا يقع أبناؤنا فريسة سائغة للذئاب البشرية

دعاء أحمد – جدة:

تعد ظاهرة التحرّش الجنسي بالأطفال من الظواهر الجديدة والدخيلة على مجتمعاتنا المسلمة ولا تعتبر هذه الظاهرة وليدة اللحظة، لكنها استفاقت من غيبوبتها لتدق أجراس الخطر ولتضع الأبرياء في سجن واسع قضبانه من حديد التحرش· وقد استيقظت جدة في الفترة السابقة على كابوس يمثّله ذئب بشري يرتدي قناع البشر، اغتصب الأطفال دون هوادة أو شفقة ووضع المجتمع في حيرة! وتسابقت الأسئلة في عيون الآباء قبل حديثهم هل هذه الجرائم مؤشر لظهور جرائم دخيلة على المجتمع السعودي؟ وكيف تحمي الأسرة أبناءها من الوقوع في براثن الذئاب البشرية؟

(ملحق أسرتي) يفتح هذا الملف الخطير ويدق ناقوس الخطر لانتباه الأسرة وتكاتف المجتمع حتى لا تصبح الذئاب البشرية بطلة تتصدر صفحات الحوادث·

مستجدات الجرائم

في البداية أوضح أستاذ الاجتماع بجامعة الملك سعود الدكتور سعود الضحيان أن هذا النوع من الجرائم ظاهرة غير مسبوقة في المجتمع السعودي، وعدّ هذه الظاهرة مؤشراً لظهور أنواع جديدة من الجرائم، محذِّراً في الوقت نفسه من دموية هذه الجرائم مستقبلاً·

وأرجع الضحيان أسباب حدوث هذه الجرائم إلى تأثير المحطات الفضائية وما تبثه من مواد وأفلام تبرز أبطالاً في هذا النوع من الجرائم، بالإضافة إلى بعض الكتابات الصحفية التي تبرز مدى ذكاء السفاح، وكيف أنه يراوغ السلطات الأمنية ويتحداها، ونفى مسؤولية المجتمع عن هذه الظاهرة بشكل أساسي، موضحاً أن التنشئة الأسرية هي المحرك الأساسي للسلوك·

ورأى أستاذ الاجتماع أن نشر أخبار هذه الجرائم يشجع الآخرين على المحاكاة، وهذا يؤدي إلى مضاعفة معدلات تلك الجرائم، لافتاً القول إلى أن فقدان آلية للتنشئة في المجتمع تجعله غير قادر على التعامل مع مستجدات الجرائم وبالتالي تبرز بشكل أكثر قسوة·

 

لا تلمسني

وأفادت مرشدة الطالبات في المرحلة الابتدائية رشا إياد أن هناك برنامجاً للطالبات تم تعميمه من قبل وزارة التربية والتعليم وتطبيقه لأول مرة هذا العام على الصفوف الابتدائية العليا على مدى ثلاثة شهور، موضحة أن ما تم تقديمه في هذا البرنامج من توجيه بطريقة تربوية مختلفة تتدرج بالطالبة من المعلومة البسيطة إلى الأعمق عن طريق المجسمات، ورسوم الكرتون، ورسومات الأطفال المعبّرة عما يشعرن به·

وعبّرت عن سعادتها بتفاعل الطالبات مع هذا البرنامج والذي أثمر عن نتائج إيجابية كتبت من خلالها الطالبات قصة بسيطة عن حماية أنفسهن من الغرباء بعبارات مؤثِّرة مثل “لا تلمسني”، مطالبة بتطبيق هذا البرنامج على الصفوف الأولى أيضاً، حيث إن هذه الفئة العمرية بات من السهل التغرير بها لأنها لا تعرف كيف تحمي نفسها·

 

كسر الحواجز الاخلاقية

وحول أسباب التحرّش الجنسي أوضح الميرغني أن المستجدات التي حدثت على الساحة في السنوات الأخيرة جعلت المجتمع متلقيًا لكل ما يأتي من الخارج من أفلام إباحية، وقنوات مفتوحة دون رقابة مما جعل الأبناء يقلدون ما يشاهدونه تقليدًا أعمى، معللا ذلك بكسر الحواجز الأخلاقية مع غياب رقابة الأهل، مما دفع الأبناء إلى فعل ما يرونه في نظرهم صحيحًا وأصبح الشباب يعاني من الفراغ الذهني والثقافي، مؤكِّداً أن انتشار الإباحية وتراجع الوازع الديني والأخلاقي زادت المعينات التي تهيج الغرائز، وتساعد على التحرّش الجنسي الشعوري واللا شعوري لدى المتحرش لينغمس في لقطات خليعة حتى مع أرحامه وأقربائه وفلذات أكباده، فكم من أب اغتصب ابنته، أو مارس الشذوذ مع ابنه! وكم من أخ فعل الفاحشة بأخته التي تنام بجواره في غرفة واحدة دون أن يفصل الوالدان بينهما في الصغر·

وأبان الميرغني أن المتحرّشين غالباً نتاج بيئة منحرفة سلوكياً ونفسياً، فمنهم من تعرض للاغتصاب أو التحرّش أو الحياة في بيئة مفككة أسرياً لهذا يشبون وهم مشوهون نفسياً وجنسياً ويحاولون الانتقام لكيانهم المجروح بالعبث في أجساد الآخرين وبخاصة الأطفال منهم·

وحدد الآثار النفسية للطفلة المتحرَّش بها في: “كرب ما بعد الصدمة” حيث تعاودها صورة التحرّش في يقظتها وفي أحلامها، وتصبح في حالة خوف من تكرار التحرّش، وتتجنب المواقف والأشخاص والأماكن التي تذكرها بالتحرّش، ومما يضاعف من الآثار النفسية أن يكون المتحرِّش أحد الأقارب أو المحارم فيزيد ذلك من حجم المعاناة التي تعانيها الضحية غير أن معاقبة الجاني يخفف كثيرًا من أثر الأزمة، محذّراً من تلذذ الطفل بهذا الموقف وخشية أن يستمر على ذلك ويؤدي به إلى الانحراف إذا أهمل ولم يتلق النصح المطلوب·

وأضاف كذلك يشعر الطفل بالخوف من الطرفين ويرفض الإفصاح لوالديه أو للكبار خوفاً من العقاب أو التندر عليه أو الاستهزاء به …إلخ ومن جانب آخر يخاف الطفل من المعتدي عليه لأنه يهدده بالقتل أو بشيء آخر إن أفشى ذلك لأحد، فضلاً عن شعوره بالإهانة جراء ما حدث له، وقد يتحول إلى شخص عدواني انتقامي وقد يعتدي على الآخرين مثلما اعتُدي عليه ويدور في حلقة مفرغة·

وقال: قد يصبح الطفل انطوائياً يكره الآخرين، ولا يرغب في الاندماج من خلال العلاقات الاجتماعية، ومنهم من يصاب باضطرابات نفسية مختلفة كالنكوص أو الكآبة وأحياناً الانتحار، والوسواس القهري، كذلك يصاب بالخجل، ويصبح من الصعب عليه التعامل مع الغير ويصاب بالشذوذ الجنسي كاللواط للرجل أو السحاق للمرأة·

 

التثقيف الموجه

وعن كيفية حماية الطفل من التحرّش أوضح الخبير التربوي نزار رمضان قائلاً:

وهنا يبرز التثقيف الموجه والمعلومة الصحيحة، ولعل خير منهج مقنن هو كتب الفقه المعتمدة أو الكتب الحديثة المعتمدة من العلماء الثقات، توعية الطفل بضرورة أن يروي للوالدين كل غريب يتعرض له·

مع تعويده على مسألة رواية أحداث يومه لأسرته بصورة يومية في جو حميمي·

وأكَّد رمضان على ضرورة إشعار الطفل بالأمان التام في سرد تفاصيل أي موقف دون عقاب، وكذلك محاولة إيجاد فرص متنوّعة لأنشطة وهوايات ورياضات متنوّعة يمارسها الطفل، لافتاً إلى ضرورة ملاحظة الطفل باستمرار – دون إشعاره بالرقابة الخانقة- ومتابعة ميوله في اللعب، وطريقة وأنواع لعبه، محذراً الأهل من السماح للخدم والسائقين بالانفراد بالطفل مطلقاً، والسماح لهم بالتعامل معه تحت نظر الوالدين بعيداً عن الأماكن المغلقة أو في عدم وجود الوالدين·- ، إلى جانب تعليمه الفرق بين اللمسة الصحية واللمسة غير الصحية·

 

قناة لتوعية الأسرة

وقد وجّهت المستشارة الأسرية الدكتورة سلمى سيبيه نصائح للطفل لحماية نفسه من خلال هذه الخطوات:

كن ذكياً أفضل من أن تكون قوياً وكبيراً، في حالة الاعتداء عليك اصرخ لحماية نفسك:

فهذا الصراخ سيمنح الآخرين فرصة لمساعدتك، واستخدم في صريخك كلمات معبرة مثل أحتاج إلى مساعدة، أو أصدر صوتاً عالياً، بالإضافة إلى الثقة بالإحساس، إذا أحسست بعدم الارتياح

بأن تكون وحيداً مع شخص ما، ولو قريبك فلا تفرض على نفسك البقاء مع أناس لا تشعر معهم بالأمان وتبقى في أماكن لا تشعر بالأمان فيها، ردد دوماً هذه العبارات: أنا أثق بقدراتي، أنا أعرف المميزات والعطايا التي أعطاني الله إياها، اهْرب من المكان أو الغرفة التي تُعنف فيها·

- خذ ببساطة ثلاثة خطوات إلى الوراء ولا تلتفت إلى أي شخص فقط أذهب إلى مكان تشعر فيه بالأمان، تذكر أنك لست وحيداً ففي جميع أنحاء العالم يتعرض الأطفال لأنواع العنف يومياً ولكنهم لم تتح لهم الفرصة ليعلموا ما يمكن فعله ولكن أنت أتيحت لك الفرصة لتعرف·

وطالبت سيبيه بضرورة تأسيس قناة لتوعية الأسر والأطفال وموقع على النت يخاطب الأطفال على قدر عقولهم، ويستخدم كل التقنيات المتطورة بأسلوب سهل وممتع، ودعت إلى ضرورة إدراج هذه التوعية في التعليم الابتدائي من التمهيدي ويكرر بصور متعددة في المرحلة الابتدائية·

وشددت على ضرورة التعريف علناً باسم كل معتد وعمل موقع خاص للتعريف التشهير به بهدف تخويف غيرهم وتحذيرهم، وأن يعاقب عقوبة مشددة مغلظة لأن الذي يغتصب الأطفال شخص غير سوي باعتبار الاغتصاب هو أقصى درجات العنف، معربة عن أملها في إنشاء مراكز خاصة لإعادة تأهيل المغتصبين والمغتصبات سواء أكان المغتصب من داخل الأسرة أم خارجها وتأهيل القائمين على هذه المراكز·

 

عقوبات تعزيرية

وأوضح المستشار القانوني محمد الطويرقي عقوبة من يتحرّش بالطفل قائلاً: إن العقوبة في مثل هذه الجرائم عقوبات تعزيرية يحددها القاضي لما له من سلطة تقديرية في ذلك وينشأ عن هذه الجرائم نوعان من الدعوى: تتمثّل في الحق العام، وهي في مضمونها المطالبة بمعاقبة الجاني بأقصى العقوبة، وهي لن تخرج عن الجلد والسجن ودعوى أخرى وهي دعوى الحق الخاص وهي التي يطالب فيها المدعي وهو الولي عن المجني عليه كوالده أو من هو وصي عليه ويتمثّل الحق الخاص في الضرر الذي لحق الطفل المجني عليه من الجاني وهي الأضرار النفسية والمعنوية ويرجع تقديرها إلى القاضي·

وأكد الطويرقي على اختلاف العقوبة من حيث الكم والكيف، وهناك عدة عوامل مهمة تدخل في تشديد العقوبة أو تخفيفها وهي ما يُسمى الظروف المخففة والظروف المشددة وهذه تحددها الوقائع والملابسات المحيطة بالقضية وللقاضي الصلاحية المطلقة في تحديد الظروف المشددة والمخففة، ضارباً مثلاً بالمشددة  كأن يكون الطفل قريباً للجاني أو أحد أقاربه أو أصوله أو فروعه كأن يكون ابنه أو ابنته وكان هذا التحرّش تحرّشاً مادياً بمعنى ملامسة الطفل أو ما شابه ذلك وعلى هذا النحو يتم القياس وتقدير العقوبة·

 

حلقات توعية

وناشد الإعلامي حسن شاهين قنوات الأطفال السعودية بطرح هذه القضايا وتوعية الطفل، وأبدى استعداده في إعداد حلقات تربوية ضمن فريق تربوي من خبراء علم النفس والتربية للحفاظ على أبنائنا ممن يغتالون طفولتهم البريئة، معتبراً هذه الحلقات بمثابة (تطعيم فكري) وقائي للأطفال ضد مثل هذه السلوكيات الشاذة·

وحول دور الإعلام الجديد في التعامل مع هذه القضايا طالب شاهين المختصين بالمبادرة إلى عرض حلقات توعية للآباء والأمهات على اليوتيوب، ولفت إلى ضرورة الاستفادة من المتخصصين في الرسوم المتحركة والفلاش، وجميع التقنيات الحديثة، وكشف عن مبادرته بكتابة حلقات موجهة للبنات يتعرفن من خلالها على طرق حماية أنفسهن·

 

حصانة ذاتية

وأكدت د· إلهام باجنيد أستاذة الفقه المساعد بجامعة الملك عبد العزيز على حرص الشريعة الإسلامية على ستر العورة، وتعويد الأطفال على ذلك منذ الصغر سواءً أمام أفراد الأسرة أو أمام الأجانب، مما يكوّن حصانة ذاتية لدى الطفل ويحميه من أي اعتداء، والنفور ممن يلمسه بقصدٍ سيئ أو حتى بقصدٍ شريف، مشيرة إلى توجيه الشريعة الإسلامية إلى التفرقة بين الجنسين في موضع النوم منعاً لما يستتبعه من حدوث مفسدة من هذا القبيل

يقول النبي صلى الله عليه سلم: (مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع)·

ونصحت باجنيد الأسرة بالآتي:

- إشعار الطفل بالأمان في رواية كل غريب قد يتعرض له، وأن تكون علاقة الوالدين به تعزّز الأمان والاستقرار النفسي بما يفتح باب الثقة عند الحوار معه فيغلق الباب أمام وجود أسرار لا يستطيع البوح بها أمامهم·

- يجب أن يتعلم الطفل كيف يفرّق بين اللمسة البريئة، واللمسة السيئة، ويعرف خصوصية أجزاء جسده منذ الصغر بإلفه سماع كلمة (العيب، وما لا ينبغي)·

- الحرص على عدم الظهور أمامه بدون ستر، وعدم إتاحة الفرصة لغير الأم أو الأب بتنظيفه وإلباسه·

 

26 يوليو, 2011
مصنف ضمن : حوار الأسرة