سرقة الأفكار أخطر من سرقة الأموال!


د· إبراهيم السنيدي:
* المؤمن مأمور بالصدق في گافة أحواله وسائر شؤونه
* السرقات الفگرية والأدبية وبال على أصحابها مهما طال الزمن
الشيخ حمود الدعجاني:
سرقة الأفكار العلمية والإبداع أشد من سرقة المال
د· نهار العتيبي:
* الإسلام حفظ الحقوق من الاعتداء وجعل المعتدي عرضة للعقوبة في الدنيا والآخرة
* لا بأس من الاقتباس من الكتب العلمية والإشارة إلى المصدر
الشيخ عبدالرحمن الجار الله:
إذا كان أخذ مال الغير جريمة فكيف بمن يسرق أفكار الباحثين
الرياض – د· عقيل العقيل
حثَّنا ديننا الحنيف على الصدق وبيَّن لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أن الصدق يهدي إلى البر وأن البر يهدي إلى الجنة وحذَّرنا من الكذب وبيَّن أنه يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار ومن الأمور المحزنة في هذا الباب أن تمتد يد المرء إلى نتاج غيره ونسبته إلى نفسه وأثر ذلك وأعظمه إثماً ما يتعلق بالعلم الذي هو ميراث النبوة وقد حذَّر مجموعة من المشايخ من هذا المزلق الخطير وأكدوا حرمته وبيَّنوا أن هذا الأمر يسيء إلى مكانة المرء العلمية، بل يقضي على تأريخه العلمي مهما كان·

وبداية تحدث أ· د· إبراهيم بن عبدالكريم السنيدي أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فقال: إن المسلم مأمور بالصدق في كافة أحواله وسائر شؤونه، يقول ربنا عزَّ وجلَّ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } [التوبة: 119]· ومعلوم للجميع خبر المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي بيَّن فيه أن الصدق يهدي إلى البر وأن البر يهدي إلى الجنة وأن الرجل لا يزال يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً وأن الكذب يهدي إلى الفجور وأن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً، هذا هو المنهج الذي ينبغي أن تنطلق منه تصرفات كل مسلم·
وبناء عليه فلا يجوز للمسلم أن ينسب لنفسه شيئاً ليس له أصالة سواء أخذها من كتاب أو شريط أو كان اختراعاً معيناً في علم من العلوم فلا يسع المسلم إلا الصدق في ذلك فينسب ما نقل عن غيره إلى ذلك الشخص فإن ذلك أقوى لإيمانه واحفظ لدينه ثم إن فيه رفعة له في الدنيا والآخرة وإن كان ذلك الشخص الكاتب أو المخترع أقل شأناً منه ولا شك أن السرقات الفكرية والأدبية وبال على أهلها ومهما طال الزمان أو قصر سيأتي من يكتشف ذلك سواء الكاتب أو المفكر أو المخترع نفسه أو غيره ممن يبحث في هذا العلم فتكون الطامة الكبرى الفضيحة التي لا يعدلها فضيحة، بل ربما يكون لدى هذا السارق أعمالاً وإنتاجاً علمياً كبيراً هو الذي أبدع فيه فيسري الشك إلى جميع أعماله بعد أن كشف أمر سرقته ويشكك الناس في جميع إنتاجه العلمي وسيتحدث متحدث ويقول: انتظروا انتظروا، سيأتي من يكشف سرقته للكتاب الفلاني والكاتب الفلاني وهكذا وسيسقط أيما سقوط ولو اكتفى بما منَّ الله به عليه من قدرات ووظفها في خدمة علم من العلوم لكان خيراً له وأبقى·

سرقة الأفكار العلمية
ثم تحدث الشيخ حمود بن محسن الدعجاني عضو الجمعية الفقهية السعودية فقال: إن السرقات الفكرية محرَّمة لما فيها من الغش والتدليس، وخداع الناس، والتعدي على حقوق الآخرين، ونتاجهم العلمي، وهي ظاهرة مقيتة وتعد أشد من سرقة المال؛ لأن المال قد يعوض لكن الأفكار العلمية، وإبداع الفكر لا يعوض، ومن صور السرقة الفكرية النقل بدون عزو إلى القائل والاقتباس الكامل للفكرة دون الإشارة إلى صاحبها، بل تعدي ذلك إلى سرقة كامل الكتاب، ومن أسباب انتشار هذه الظاهرة ضعف الإيمان، وحب الشهرة والظهور والتنافس في كثرة المؤلفات، ولهذه الظاهرة آثار سيئة، فمن ذلك أنها إهانة للعلم، والقضاء على ملكة البحث العلمي النزيه، وقتل موهبة الإبداع والتنافس، فالواجب الحذر من ذلك والاعتراف لأهل الفضل بفضلهم·

الإسلام حفظ الحقوق من الاعتداء
ثم تحدث الشيخ د· نهار بن عبدالرحمن العتيبي عضو الجمعية الفقهية السعودية الداعية المعروف فقال:  لقد حفظ الإسلام الإنتاج الفكري كما حفظ الإنتاج والكسب باليد، وذلك لأن الدين الإسلامي دين شامل كامل قد حفظ الحقوق من الاعتداء وجعل المعتدي عرضة للعقوبة في الدنيا والآخرة·
ويتضح ذلك من خلال حماية الإسلام للأعراض وتحريم الاعتداء عليها أو خدشها ولو بكلمة فكان تحريم القذف أو التعبير بالزنا أو اللواط وجعل للمقذوف الحق في إقامة دعوى على القاذف يستحق القاذف بموجبها عقوبة الجلد وعدم قبول الشهادة وسبب ذلك أن المسلم له حق حفظ عرضه سليماً لا يجوز التعرض وهو حق معنوي فإذا اعتدى شخص على هذا الحق فقد اعتدى على حق معنوي من حقوق المسلم وهذا الحق قد جاءت النصوص الشرعية بحفظه وحرَّمت الاعتداء عليه ويتضح ذلك من خلال تحريم الغيبة وكذلك النميمة واعتبارهما من كبائر الذنوب حيث قال الله تعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ } [الحجرات: 12]· وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه)، ثم قال: (ألا هل بلغت؟) قلنا: نعم، قال: (اللهم اشهد)، وهنا يتضح أن الغيبة هي اعتداء على عرض المسلم وأن التحريم هنا لا يقتصر على القذف بالزنا أو اللواط وإنما يتعدى ذلك إلى كل ما يخدش السمعة أو يسيء إلى المسلم بأي صفة كانت ويتضح ذلك بصورة جلية في تحريم السب والشتم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) متفق عليه·

غش وتزييف
وبذلك فإن الاعتداء على الحقوق الفكرية هو اعتداء على حق معنوي لا يجوز الاعتداء عليه فإنه في حقيقته سلب لحق المؤلف واتهام له بالكذب فالسارق لهذا النتاج الفكري كأنه يقول أنا الذي قمت بتأليف هذا الكتاب أو الكتابة عن هذا الموضوع وأما المؤلف الحقيقي فإنه كاذب ولم يقم بالتأليف وهذا في الحقيقة تزييف وغش فإن السارق ينسب ما ليس له إلى نفسه وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من غشنا فليس منا)، ووصف عليه الصلاة والسلام الذي يتظاهر أمام الناس بما ليس له وهو في حقيقته بخلاف ذلك أنه من المزوّرين والذي يسرق حقوق المؤلف هو في الحقيقة كذلك، عن أسماء أن امرأة قالت: يا رسول الله إن لي ضرة فهل علي جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) رواه البخاري·
وبناء على ذلك فإنه يحرم على المسلم سرقة ما أنتجه غيره من مؤلفات أو مخترعات أو علامات تجارية أو غير ذلك من الانتاج الفكري، ومن فعل ذلك فإن لولي الأمر الحق انتزاع ذلك الحق منه واعادته إلى صاحبه وتعويض المسروق بما يستحقه مقابل ما لحق به من الأذى وتعزير السارق بما يناسبه من التعزير حتى يكون عبرة لغيره وحتى تحفظ الحقوق من الاعتداء ويتعاون المجتمع على البر والتقوى ولا يتعاون على الإثم والعدوان استجابة لأمر الله تعالى الذي قال: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [المائدة: 2]·
وأما الاقتباس من الكتب العلمية فإنه جائز لكن بشرط أن ينسب العمل لصاحبه فإن الناقل مؤتمن وإذا ذكر المصدر الذي نقل منه بذكر اسم الكتاب ومؤلفه فقد برأت ذمته وأحسن في أداء أمانته، اسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى ما يرضيه ويجنبنا ما يسخطه، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل·

جرم خطير وعظيم
ثم تحدث الشيخ عبدالرحمن بن محمد الجارالله خطيب جامع العضيب واستاذ العلوم الشرعية في ثانوية اليمامة بالرياض فقال: لا شك أن السرقة جرمها عظيم وخطير ولذا جاءت الشريعة بعقوبة رادعة لأن فيها إخلال بالأمر وأخذ أموال الناس بالباطل وهضم لحقوقهم إذا كان أخذ أموال الناس عنوة جريمة، فكيف بمن يسرق أفكار الباحثين الذين بذلوا جهودهم وقضوا أوقاتهم بتأليف كتاب متميز فتجد أناس يسرقون هذا الجهد وينسبونه لأنفسهم حتى لا يشيرون إلى ذلك لا من قريب ولا بعيد أليس هذا تعدياً وسرقة وكثيراً ما سمعنا شكوى وصلت إلى المحاكم بسبب سرقة كتاب أو خطة بحث أو موضوع، المصيبة أن هذا يحدث ممن ينتسبون إلى العلم، بل بعضهم يحمل أعلى درجة علمية ومع هذا يسرق جهود الآخرين نطالب بوضع حد لهذه الظاهرة الخطيرة حتى تحفظ حقوق الآخرين·

18 مارس, 2012
مصنف ضمن : تحقيقات صحفية