الغلو طغيان·· والتحزب والاجتماعات المخفـية من أسـباب الغـلو

متابعة: فيصل الحربي:
ننظر حولنا في عالمنا الإسلامي ونرى عجباً في أمور هي من صميم شريعتنا الإسلامية يتصدى لها مفتون يفتقرون إلى شروط الإفتاء، بل إن هناك من اعتمد على طائفة أو حزب معين يستقي منه الأحكام، وهناك من يجهل أسس تفسير القرآن لكنه يجرؤ ويقدم على الخوض في ذلك·· وهناك الكثير·· وكل هذه الممارسات تفضي إلى الغلو الذي نرى مظاهره ماثلة أمامنا في أناس أخذوا الشرع بأيديهم وراحوا يعملون في الناس تقتيلاً بدعوى الجهاد دون أن تتحقق لهم شروط الجهاد وفي غياب ضوابطه· عن هذه الممارسات والتطبيقات الخاطئة كانت محاضرة معالي فضيلة الشيخ الدكتور سعد بن ناصر الشثري عضو هيئة كبار العلماء الذي حرص على توضيح أمر الغلو من كافة جوانبه مع إيراد وسائل وسبل المعالجة·· وفيما يلي نص المحاضرة:
الحمدالله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أما بعد··
إن الله عزَّ وجلَّ قد تفضل علينا ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وبإنزال هذا الكتاب القرآن العظيم الذي تتحقق بالتمسك به مصلحتنا دنيا وآخرة متى تمسكنا بالكتاب وسرنا على هدي النبي صلى الله عليه وسلم صلحت أحوالنا واستقامت أمورنا ومتى حِدنا عن هذا النهج ساءت أمورنا وجاءت من المصائب في الدنيا قبل الآخرة والمؤمن بسيره على الشريعة يرغب في إرضاء رب العالمين ويرغب في أجر الآخرة فتحصل له أمور الدنيا تبعاً·· إرضاء رب العالمين إنما يكون بالتمسك بالشريعة كما قال تعالى {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } [الأنعام: 153] سبيل الله واضح وهو وسط بين غالٍ وجافٍ·· الغالي هو الذي تجاوز الحد والجافي هو الذي فرط ولم يتمسك بأحكام الشرع جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “إن من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم والسلطان المقسط وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه” إذاً عندنا منهج وسط بين الغلو والجفاء وهذه صفة هذه الأمة أنها وسط كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ } [البقرة: 143] ما معنى الوسطية؟ إننا خيار بين طريقين سيئين طريق الغلو وطريق الجفاء وكلاهما مذموم··

أمثلة للغلو
إذاً ما هو الغلو؟ الغلو هو مجاوزة للحد الشرعي في أي أمر فمن جاوز الحد الشرعي فإنه غالٍ نمثل لذلك بأمثلة·· لمّا يأتي إنسان ويترك الخلق ويهجرهم ولا يتواصل معهم لماذا؟ قال أخشى أن أتأثر بما لديهم نقول: أنت غلوت ليس هذا منهج النبي صلى الله عليه وسلم ، منهج النبي صلى الله عليه وسلم التواصل مع الناس ونصيحتهم وإرشادهم ودلالتهم على ما فيه خيرهم وصلاحهم وسعادتهم هذا هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم فعندما تتجاوز الحد حينئذٍ تكون قد غلوت فلا يقبل منك··
سألنا شخصاً وقلنا له: لماذا تركت أباك ولم تزره ولم تتواصل معه؟ قال لأن أبي عنده معاصٍ وذنوب والله جلَّ وعلا قد أمرنا بترك أهل الذنوب، نقول: أنت تجاوزت الحد الشرعي في هذا الأمر وحينئذٍ تكون قد غلوت··
هكذا أيضاً عندما يأتي إنسان ويقول: أنا سأقوم الليل كلّه من أوله إلى آخره، قلنا ترتب على قيامك أنك تركت شيئاً من الواجبات نحو أسرتك نحو مجتمعك نحو عملك نحو اكتسابك فحينئذٍ أنت غلوت وتجاوزت الحد المشروع·· إذاً من أين نأخذ مفهوم الغلو؟ الغلو لابد أن يكون منطلقاً من خلال النصوص الشرعية فلا نصف فعلاً من الأفعال بأنه غلو إلا إذا جاءتنا الشريعة وقالت هذا الفعل من أنواع الغلو ويبين ذلك علماء الشريعة·· فعندما يأتي متكلم يتكلم في وسيلة إعلامية ويقول الفعل الفلاني غلو وهو ليس من أهل العلم ولا يعرف دلالة النصوص حينئذٍ لا نقبل منه ذلك ونقول أنت لا تعرف أحكام الشريعة ولا تعرف الحد الشرعي فكيف تعرف من غلا فيه ممن جفا عنه، إذاً من أين نعرف أن الفعل من أنواع الغلو؟ من خلال أدلة الشريعة· من الذي يوضح أن هذا الفعل من أنواع الغلو؟ يوضحه علماء الشريعة وأما الذين ليس من أهل العلم الشرعي فلا مدخل لهم في هذا المجال ولا يقبل ما يتكلمون به من قولهم هذا الفعل غلو أو هذا الفعل غير مقبول شرعاً لأنهم ليسوا من أهل الاختصاص، إذا تكرر ذلك فإن الغلو في أحكام الشريعة من المحرمات ولا يجوز للإنسان أن يفعل فعلاً يغلو فيه··

دليل التحريم
ما الدليل على تحريم الغلو؟ نصوص كثيرة وردت في الكتاب والسنّة نمثل لذلك بأمثلة: قال الله تعالى {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (112) [هود: 112] وقال { وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي } [طه: 81] والطغيان هو مجاوزة الحد الشرعي وممن يدخل في ذلك الغلو، وممن يدل على تحريم الغلو أيضا قوله تعالى {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ } [النساء: 171] وفي الآية الثانية {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ } [المائدة: 77] فإذا نهيت الأمم السابقة عن الغلو فهذا دليل على أن هذه الشريعة منهية أيضاً عن الغلو ويدل عليه قوله تعالى: { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا } [البقرة: 229] فلما حد الحدود نهى عن الاعتداء على تلك الحدود ومن أنواع الاعتداء الغلو والآيات والنصوص القرآنية في ذلك كثيرة··
ونأتي أيضاً بأمثلة بالنصوص النبوية الواردة في النهي عن الغلو يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين” فهذا نهي عن الغلو في الدين وبيان أنه من أسباب الهلاك، ومن النصوص النبوية الواردة في النهي عن الغلو قوله صلى الله عليه وسلم “هلك المتنطعون” كما رواه الإمام مسلم في صحيحه، ومن أنواع التنطع الغلو سواء كان غلواً في السلوك أو كان غلواً في المعتقد ومن النصوص الواردة في ذلك “أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه ثلاثة نفر فسألوا عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجدوه فسألوا عن عبادته فكأنهم تقالّوها فقال أحدهم أما أنا فأصوم النهار ولا أفطر وقال الآخر أما أنا فأقوم الليل ولا أنام وأما الثالث فقال أما أنا فلا أتزوج النساء·· فقال صلى الله عليه وسلم لما أخبر بقولهم قال: “أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني” فدل هذا الحديث على أن المطلوب هو فعل السنَّة وأن السنَّة هي الوسط وأن الغلو والزيادة في العبادة منهي عنه في الشريعة وأن خير الهدي هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم··
وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم للغالي في العبادة مثلاً بـ المنبت الذي يركب جملاً فيسير في الليل والنهار فمثل هذا لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى·· لماذا؟ لأنه سيتعب جمله ومن ثم لن يتمكن من قطع مسافة كبيرة ولن يبقي جمله الذي يركب عليه·· وجاء في الحديث “أن بعض النساء في عهد النبوة وضعت حبلاً في المسجد فكانت إذا فترت وتعبت تمسكت بذلك الحبل فدخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد فسأل عن هذا الحبل فقالوا وضعته فلانة إذا فترت تتعلق به فقال صلى الله عليه وسلم ليصلي أحدكم نشاطه فإذا فتر أو تعب فليرقد فلعله يذهب يستغفر ربه فيسب نفسه” إذا غلب النوم على الإنسان قد يتكلم بكلام بخلاف ما يريده ويقصده ومن ثم يؤدي إلى نتائج عكسية لما يرغبه··

صيام الدهر غلو
الغلو في الدين يكون بمجاوزة الحد بأنواع العبادة كمثل الذي يتعب نفسه ويرهق جسده بشيء من العبادات كما فعل بعض الصحابة عندما كان يقرأ القرآن كل يوم ويصوم كل يوم ويفعل أنواع العبادة فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى أقل من ذلك فقال: صم ثلاثة أيام من كل شهر فصيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر فإن الحسنة بعشر أمثالها قال يا رسول الله إني أستطيع أفضل من ذلك فأرشده وتدرج به حتى قال له صم يوماً وأفطر يوماً قال إني أستطيع أن أفعل أفضل من ذلك فقال صلى الله عليه وسلم لا أفضل من ذلك أفضل الصيام صيام داوود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً·· فعندما يأتينا إنسان ويقول أنا أريد الأفضلية وسأصوم كل يوم نقول أنت قد غلوت وتجاوزت الحد المشروع في مثل هذا الأمر··

·· وفي العقائد
من الأمور والمجالات التي يدخل فيها الغلو العقائد فكما يدخل الغلو في العبادات وفي سلوك الإنسان يدخل أيضاً في العقائد ومن أمثلة ذلك غلو الإنسان فيما يتعلق بالتكفير فيكفر من لم يرد في الشرع بكفره وقد ورد في الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من قال لأخيه يا كافر ولم يكن كذلك إلا باء بها أحدهما” وفي لفظ (إلا حار عليه) أي رجع عليه إثم التكفير··

الولاء والبراء
ومن أنواع ما يحصل فيه الغلو الولاء والبراء فبعض الناس يغلو في الولاية بحيث يجعل محبته وولايته لشخص من الأشخاص تجعله ينصره ويؤيده ولو كان في الظلم ولو كان في مخالفة الشريعة هذا من الغلو وهكذا أيضاً الغلو في البراء فيغلو في البراءة من المشركين بحيث يترك دعوتهم ويترك البيع والشراء منهم ويترك مصالحتهم مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل مثل ذلك وهو أعلم الناس بمفهوم الولاء والبراء في الشريعة ومن أمثلة ذلك ترك بعض الناس للتعلم والتعليم واعتقاد أن الأمية مثلاً مزية فهذا من أنواع الغلو·· وهكذا أيضاً اتباع بعض الأشخاص وتقليدهم ولو كانوا من أهل العلم فاعتقاد أن كل ما يتكلمون به صواب وأنهم معصومون من الخطأ هذا غلو في الأشخاص··

ترفيع الناس
وهكذا أيضاً الغلو قد يكون في المدح والثناء والإطراء فعندما ترفع الإنسان عن درجته التي وردت بها الشريعة يكون ذلك غلواً فيه مهما كان ذلك الشخص حتى ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم مع علو درجته ورفعة مكانته ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: “لا تطروني كما اطرت النصارى عيسى ابن مريم” فنهى عن الغلو في إطرائه صلى الله عليه وسلم··
ومن أنواع الغلو الغلو الذي ينتج عنه استباحة دماء الآخرين أو استباحة أموالهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المجمع العظيم في حجة الوداع: “لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض”·· ومن أنواع الغلو تحريم بعض الطيبات والتشديد على النفس في أي نوع من أنواع التشديد هذا من أنواع الغلو·· ومن أنواع الغلو أيضاً الخروج على الولاة واعتقاد كفرهم بشيء من المعاصي التي يفعلونها هذا غلو والشريعة قد نهت عن الخروج عن الولاة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من خرج عن إمامه فمات فميتته جاهلية” والنصوص في ذلك كثيرة متتابعة·

أسباب الغلو
إذا عرفنا أن الغلو له حقيقة وأن حقيقته يرجع فيها إلى الشريعة ويرجع فيها إلى علماء الشرع الفقهاء وأن الغلو من المحرمات وأن النصوص قد وردت في تحريم الغلو والتشديد فيه وعرفنا شيئاً من مجالات الغلو التي قد يدخل الغلو فيها ننتقل إلى ذكر شيء من الأسباب التي قد تؤدي ببعض الناس إلى الغلو فمن أعظم الأسباب المؤدية إلى الغلو الجهل فعندما يجهل الإنسان أحكام الشريعة قد يتجاوز الحدود الشرعية بدون أن يعرف أنه قد تجاوزها وبالتالي يكون قد وقع في الغلو من حيث لا يشعر ولا شك أن الجهل من الأمور المذمومة شرعاً والشريعة قد رغبت في التعلم وحثت عليه ورفعت مكان أهل العلم قال تعالى { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [الزمر: 9] وهذا الجهل ينشأ عن أمور:
الأمر الأول الرجوع إلى من لا يوثق به فعندما يرجع الإنسان في مسائله الشرعية إلى من لا يعرف بعلم ولا يوثق بكلامه ولا بعلمه يقع في العديد من الأمور المخالفة للشريعة ويقع في الغلو وذلك لأنه أسند الأمر إلى غير أهله والله جلَّ وعلا يقول { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] ما قال اسألوا أي أحد ولم يقل اسألوا من أبرزتهم القنوات أو أبرزتهم وسائل الإعلام أو أبرزهم المعادون المخالفون لا وإنما قال اسألوا أهل الذكر وهم العارفون بالنصوص الشرعية كتاباً وسنَّة وأعظم ما يحصل عند الناس من الجهل يكون سببه الرجوع إلى من لا يوثق به في علمه تجده يستند في ما يأخذه من معلومات إلى مافي بعض المواقع التي تكون في الإنترنت المواقع الحوارية، من كتب هذا المقال الذي أخذت منه هذه المعلومة؟؟ قال وجدته في الساحات، من كتبه؟؟ قال لا أعلم شخصاً رمزه “س· أ· ب”، كيف ترجع إلى من لا تعرفه ولا تثق به ولا تعرف مكانته، هذه من الأمور المحرمة شرعاً كذلك عندما يرجع إلى كتابة كتبها شخص رمز لاسمه برمز “حامي الإسلام” من هو حامي الإسلام هذا؟؟ “متقي ربه” من هو المتقي ربه؟؟ قال هكذا وجدناه يوقع في الإنترنت بهذا الرمز، هذا مجهول ولا يجوز الرجوع إلى المجهولين وإنما يرجع إلى أهل العلم وهكذا قد يرجع الإنسان إلى بعض الأشخاص الذين تبرزهم بعض الوسائل الإعلامية على أنهم معادون للغرب يقول فلان يعادي أمريكا وبالتالي نأخذ كلامه نقول: لا ليس هذا هو المصدر الذي نوثق به الشخص أو لا نوثقه كونه يعادي أو يوالي هذا ليس معناه أن عنده علماً فالعلم الشرعي له مستند وله أصول··

أسباب الجهل
من أسباب الجهل أيضاً عدم فهم القرآن، فتجده يستدل بالآيه القرآنيه في غير ما انزلت له وبالتالي يقع في حرج ويوقع الأمة في حرج ولذلك لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج ذكر أنهم يقرؤون القرآن لا يجاوزوا حناجرهم، فهم يقرؤونه بدون أن يفهموه وبدون أن يعرفوا مراد الشرع بهذه النصوص القرآنية وهذا هو الذي أوقعهم في الإشكال، فالمقصود أنه لابد من فهم صحيح للنصوص الشرعيه وإلا وقعنا في عدد من الإشكاليات وما نقع فيه من الغلو في الدين بسبب عدم فهمنا للقرآن، والشريعة قد رغبت في تفهم القرآن وتدبر معانيه يقول الله جلَّ وعلا {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [ص: 29] ويقول جلَّ وعلا {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] ومن أسباب هذا الجهل أيضاً أنهم يلتفتون إلى نص من النصوص الشرعية ولا يلتفتون إلى دليل آخر فتجده مثلاً يستدل بقول الله جلَّ وعلا { فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ } [التوبة: 5] لكن هذه الدلالة وهذه الآية عامة جاءت نصوص أخرى قيدتها فجعلت المعاهد له حكم وجعلت من بيننا وبينه ميثاق له حكم عندما يستدل مستدل بالآيات الواردة عن نصرة المؤمنين نقول توقف هذه الآيات مخصوصة لها مواطن لا يعمل بها كما في قوله جلَّ وعلا { وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ } [الأنفال: 72] فاستثنى فهنا لا بد أن نجري هذا الاستثناء وأن نفسر بقية النصوص به لو جاءنا إنسان وقال مثلاً هذه المرأة قد طلقها زوجها وهي حامل فعدتها تكون بثلاثة قروء بثلاث حيض يقول تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } [البقرة: 228] نقول هذا الاستدلال خاطئ وأنت لم تفهم هذا النص لأن هذا العموم قد ورد دليل آخر وخصصه كمثل قوله تعالى { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } [الطلاق: 4] وفي مثل قوله جلَّ وعلا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } [الأحزاب: 49] هذه مطلقة وليس عليها عدة لأنها مطلقة قبل الدخول بها··

الرجوع إلى السنَّة
وهكذا أيضاً قد يرد الجهل بسبب عدم الرجوع إلى سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير الآيات القرآنية فإن أعرف الناس بالقرآن هو النبي صلى الله عليه وسلم فعندما يأتي إنسان وينظر إلى الآيات القرآنية ولا ينظر إلى تفسير النبي صلى الله عليه وسلم وسنته يقع في إشكالات كثيرة من أمثلة ذلك قال جلَّ وعلا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء }[المائدة: 51] نهى عن ولايتهم فحينئذٍ يقول يجب معاداتهم وتحرم مصافاتهم ويحرم التعاون معهم، نقول هذا فهم خاطئ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد صالح اليهود وأجرى بينه وبينهم صلحاً ونصارى نجران جاءوا إليه وحاورهم وأكرمهم وهكذا أيضاً ما يتعلق بمشركي العرب بينه وبينهم صلح الحديبية فحينئذٍ سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم هي التفسير التطبيقي لكتاب الله عزَّ وجلَّ فعندما يأتي إنسان فيحاول أن يفهم الآيات القرآنية بدون ما يعرف سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته فإنه حينئذٍ يقع في فهم خاطئ قد ينتج عنه الغلو في شيء من أحكام الدين··

طريق السلف
من أسباب الجهل المنتج للغلو في الدين الجهل بواقع سلف الأمة وما أجمعوا عليه فإن الأمة إذا أجمعت على شيء وجب اتباع إجماعها لقول النبي صلى الله عليه وسلم “لا تجتمع أمتي على ضلالة” ولقوله صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم إلى قيام الساعة” فدل ذلك أنه لا بد في كل زمان من أن يوجد فيه قائل يقول بالحق فعندما تجتمع الأمة على شيء هذا يدل على أن إجماعهم صواب وبأنه هو حكم رب العالمين ويجب اتباعهم فيه فمن أراد أن يخالف بنا منهج السلف وطريقة السلف يقول وقف هذا الفهم الذي فهمته فهماً خاطئاً وأنت قد غلوت وتجاوزت للحد بتركك لسلف الأمة وإجماعهم قال الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ } [التوبة: 100] فأثنى على المهاجرين وعلى الأنصار وعلى الذين يتبعونهم وقال جلَّ وعلا { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ َ} [لقمان: 15] ومن أعظم من أناب إلى الله جلَّ وعلا هم سلف الأمة ومن هنا فلابد للإنسان أن يعرف طريقة السلف في فهم الآيات القرآنية فعندما يترك طريقة السلف قد يحصل منه غلو في أحكام الشريعة· ومن أسباب الغلو أيضاً اتباع المتشابه ففي الآيات القرآنية آيات قد يفهم الإنسان منها خلاف ظاهرها وهذه تسمى آيات التشابه، ما المراد بآيات التشابه؟ هي آيات قرآنيه قد يفهم منها معنى غير المعنى الذي يريده الشارع من أمثله ذلك عندما يأتينا إنسان ويقول إن الله جلَّ وعلا يقول {إنَّا نّحًنٍ نّزَّلًنّا پذٌَكًرّ $ّإنَّا لّهٍ لّحّافٌظٍون} [الحجر: 9] “إنا نحن” هو نصراني يقول إن القرآن قد دل أن الله ثالث ثلاثة كما هو عقيدة النصارى لأن الله تعالى قال “إنا نحن” ونحن تطلق على الجمع وأقل الجمع ثلاثة نقول هذا الفهم منك فهم خاطئ لأن المتشابه يجب أن نرده إلى المحكم والله جلَّ وعلا قال {قٍلً هٍوّ پلَّهٍ أّحّدِ} [الإخلاص: 1] فدل هذا على أنه واحد، طيب ما معنى الآية السابقة؟ معناها أن الله يعظم نفسه فإن العظيم يخاطب نفسه بمثل هذا اللفظ لفظ الجمع ومن هنا فإن الفهم الذي اتيت إنما هو من اتباع المتشابه وقد بيّن الله عزَّ وجلَّ أن من القرآن آيات محكمات مثل {قٍلً هٍوّ پلَّهٍ أّحّدِ} [الإخلاص: 1] ومنه آيات متشابهات قد يفهم منها الإنسان غير الظاهر المراد بها قال تعالى {مٌنًهٍ آيّاتِ مٍَحًكّمّاتِ هٍنَّ أٍمٍَ پًكٌتّابٌ $ّأٍخّرٍ مٍتّشّابٌهّاتِ فّأّمَّا پَّذٌينّ فٌي قٍلٍوبٌهٌمً زّيًغِ فّيّتَّبٌعٍونّ مّا تّشّابّهّ مٌنًهٍ \بًتٌغّاءّ پًفٌتًنّةٌ $ّابًتٌغّاءّ تّأّوٌيلٌهٌ $ّمّا يّعًلّمٍ تّأًوٌيلّهٍ إلاَّ پلَّهٍ $ّالرَّاسٌخٍونّ فٌي پًعٌلًمٌ يّقٍولٍونّ آمّنَّا بٌهٌ كٍلَِ مٌَنً عٌندٌ رّبٌَنّا $ّمّا يّذَّكَّرٍ إلاَّ أٍوًلٍوا الأّلًبّاب} [آل عمران: 7] فعندما يأتي إنسان ويشاهد بعض النصوص فينزلها على غير منزلتها يكون ممن أتبع المتشابه من أمثلة ذلك قوله جلَّ وعلا {$ّالًكّافٌرٍونّ هٍمٍ پظَّالٌمٍونّ} [البقرة: 254] قد يأتي إنسان ويفهم من هذه الآية أن كل ظالم فإنه يكون كافراً وبالتالي يكفر كثيراً من الخلق·

الشروط والموانع
من أنواع الغلو في الدين المذموم شرعاً لأنه قد اتبع المتشابه وفسر الآية بغير ظاهرها ومن أسباب الغلو في الدين أيضاً الجهل بقاعدة الشروط والموانع كل أمر ورد في الشريعة فله شروط من فعله بدون شروط فإن فعله لا يكون صحيحاً مثال ذلك لو صلى إنسان بدون أن يراعي الشروط الواجبة للصلاة مثل أن يكون قد صلى بدون طهارة، صلاته صحيحة أو غير صحيحة؟؟ غير صحيحة، لماذا؟؟ لأن النبي [ يقول: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" فلا قيمة لهذه الصلاة إذا أنت صليت ووقفت وسجدت وقرأت القرآن وسبحت ودعوت، نقول أنت آثم بهذه الصلاة لأنك صليت بدون مراعاة الشروط وهكذا في بقية الأفعال لو صلى قبل دخول الوقت وغير ذلك فلما يفعل الإنسان فعلاً بدون مراعاة قاعدة الشروط والموانع يكون قد وقع في باب من أبواب الغلو نمثل لذلك في مثال: جاءت الشريعة بمشروعية الجهاد فعندما يأتي الإنسان ويذهب للجهاد بدون مراعاة الشروط الشرعية الواردة في الجهاد نقول له: قف جهادك هذا من الغلو المذموم شرعاً ولا يجوز لك أن تقدم عليه لماذا؟؟ لأنك فعلته بدون مراعاة الشروط الشرعية ومن أمثلة الشروط الشرعية الواردة في ذلك أن يكون هذا الجهاد بإذن إمام وإذا لم يكن هناك إمام ولم يأمر الإمام بمثل ذلك لم يجز للإنسان أن يجاهد لقوله صلى الله عليه وسلم: "وإذا استنفرتم فانفروا" ولقول النبي صلى الله عليه وسلم "إنما الإمام جنة يتقى به ويقاتل من خلفه" عندما يأتي إنسان ويدخل في مفهوم الجهاد أشياء لم تتوفر فيها الشروط الشرعية نقول: قف لم تلاحق قاعدة الشروط والموانع وهكذا أيضاً فيما يتعلق بالأعذار بعض الناس يأتي بالأحكام الشرعية ولا يلتفت إلى الأعذار يقول من لم يصل فإنه كافر وهذه المرأة لم تصل فهي كافرة فنقول له: قف هذه المرأة حائض أو نفساء فهي معذورة في ترك الصلاة فتكفيرك هذا لا يصح لأنك لم تلحظ الأعذار هكذا أيضاً في بقية المكفرات عندما يأتي إنسان ويكفر غيره بدون ملاحظة الأعذار الشرعية الواردة فيه من جهل ومن نسيان ومن خطأ ومن عدم معرفة هذا الفعل وحقيقته نقول: قف عن التكفير ليس تكفيراً شرعياً لأنك لم تلحظ الأعذار الشرعية التي لاحظتها الشريعة··

الموازنة بين المتعارضات
من أسباب الغلو عدم القدرة على الموازنة بين الأمور المتعارضة فيتعارض عند الإنسان شيئان لا يمكن أن يفعلهما معاً وبالتالي إذا لم يكن قادراً على الموازنة بينهما فقد يؤدي به ذلك إلى الغلو في دينه ومن أمثلة ذلك عندما يتعارض عند الإنسان واجب ومندوب فيقدم المندوب فنقول أنت قد فعلت أمراً مندوباً تضمن في أثنائه أمراً محرماً فتكون قد غلوت في هذا المندوب وتجاوزت به الحد المشروع··

دلالة اللغة
كذلك من أسباب الغلو الجهل بدلالة اللغة العربية ومعانيها لأن الإنسان قد يقرأ وينزل لفظاً في غير منزلته وغير المراد به، لما يقرأ الإنسان يقول: لا يبقى دينان في جزيرة العرب ويترتب على ذلك أنني لا أبقي أحداً من غير المسلمين في جزيرة العرب، نقول: قف هو لم يقل هنا لا يبقى شخصان يدينان بدينين مختلفين وإنما قال لا يبقى دينان والدين هو الأمر الظاهر المطاع ففرق في أن يكون هناك أمر ظاهر مطاع وديانة ممهدة ومقرة ومشاهدة من قبل الجميع وبيّن أن يكون هناك شخص منتسب إلى هذه الديانة بينهما فرق لذلك أقر النبي صلى الله عليه وسلم وجود المجوس في هجر وأخذ منهم الجزية وهو أعرف الناس بسنته صلى الله عليه وسلم··

اجتهادات غير المؤهلين
كذلك من أسباب الغلو الاجتهادات التي تصدر من غير المؤهلين، يكون الإنسان ما عنده قدرة على الاجتهاد ولم تتوفر فيه شروط الاجتهاد فيجتهد في إخراج الأحكام الشرعية فيقع في الغلو في الدين واستخراج الأحكام والاجتهاد فيها لابد له من شروط، عندما يأتي إنسان لا يعرف قواعد الاستنباط ولا يعرف القواعد الأصولية ويريد أن يستخرج الأحكام من النصوص نقول له قف ليس لديك أهلية للاجتهاد فلا يجوز لك أن توقع نفسك وتوقع غيرك في مثل ذلك·
بعض الناس يجعلون بعض هذه الطوائف لهم مفتياً وهو لا يعرف علم أصول الفقه ولا يعرف قواعد الفهم عندما نسأله ما الفرق بين دلالة الاقتضاء ودلالة الإشارة ما يعرف الفرق بينهما، عندما يسأل عن تخريج المناط وتنقيح المناط ما يعرف الفرق بينهما، عندما يسأل عن معنى الاستدلال بدليل الاستحسان يفسره بدليل بتفسير يقول ان الاستحسان هو ما نستحسنه بعقولنا لا هذا غير المراد عند أهل العلم وهو الذي وردت به النصوص الاستحسان بأرجح الدليلين ترك القياس من أجل دليل أقوى منه فعندما يأتي إنسان غير مؤهل للاجتهاد ولا يعرف دلالة المصطلحات الشرعية ليس له الحق في الاجتهاد فإذا اجتهد أوقع نفسه وأوقع غيره في مخالفات شرعية قد يكون منها الغلو في الدين··

التوثق من الأخبار
أيضاً من أسباب الغلو الاعتماد على ما يظن أنه دليل وليس دليلاً من أمثلة ذلك يرى مناماً ويرى رؤية في منامه فيعمل بها وقد تكون مخالفة للشريعة أو فيها زيادة على ما وردت به الشريعة ولا يحق لك ذلك الرؤية المنامية ليست من أدلة الشريعة الله جلَّ وعلا يقول { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ } [النساء: 59] ما قال ردوه إلى ما ترونه في مناماتكم {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ } [الشورى: 10] فأولئك الذين يستدلون بالرؤى المنامية نقول هذا ما يصح وهذا ليس من مناهج الشريعة وهكذا اعتماد بعض الناس على الإشاعات وما يثيره الآخرون سواء في الإنترنت أو في الجرائد لأن الجرائد تمتليء ويكتبون أخباراً بدون أن يتأكدوا منها وهكذا في وسائل الإعلام المرئية والقنوات كل ما تحدث معهم ورفع السماعة معهم ونقل خبراً ظن الناس صحته وصدقه هذا مخالف لمنهج الشريعة في التوثق من الأخبار·· يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع” لا بد أن نتوثق في أخبارنا·
هكذا أيضاً في نقل الأشخاص غير الموثوق بهم أو فيما يتعلق بالحكايات هذه ليست أدلة ولا يعتمد عليها وليست مستنداً، فعندما يستند الإنسان في أحواله وأقواله على مثل هذه الأمور يكون ربما قد وقع في شيء من الغلو في دينه··

التعصب
ومن أسباب الغلو التعصب سواء كان تعصباً لشخص أو تعصباً لفرقة أو تعصباً لاسم، فعندما يتعصب الإنسان إلى مذهب أو إلى حزب يظن أن الخير وأن الصلاح يكون في ذلك الحزب أو في ذلك الانتماء وهذا مخالف للشريعة وهذا نوع من أنواع الغلو، تجد بعض الناس يكون منتمياً إلى جماعة من جماعات الدعوة فيظن أن الخير والصلاح والهدى مع هذه الجماعة وأنه لا يمكن أن يكون هناك دعوة إلا من خلال هذه الجماعة، هذا غلو ومخالف لمنهج الشريعة، فالدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ ليست منحصرة في جماعة وفي طريقة وفي أسلوب قال تعالى {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [النحل: 125] وهكذا التعصب للأشخاص أياً كانوا هذا غلو··

التحزب
من أسباب الغلو في الدين أيضاً التحزب وجعل الناس أحزاباً وشيعاً وهذا من الأمور المذمومة شرعاً يقول جلَّ وعلا {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } [الأنعام: 159]· ومن أنواع الغلو استباحة أعراض الآخرين الذين لا ينتمون إلى طريقة الإنسان التي ينتمي إليها، فتجد بعض الناس من وافقه مدحه وأعلى من ذكره ومن خالفه قدح فيه واستباح عرضه وكل ما وجد عليه عنتاً أو عيباً أو قدحاً تكلم به وأثاره عند الناس وهذا من أنواع الغيبة المذمومة شرعاً ولا يجوز للإنسان أن يفعل مثل ذلك قال تعالى { وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ } [الحجرات: 12] وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الغيبة بأنها ذكرك أخاك بما يكره، قالوا يا رسول الله لو رأيت ما كان فيه ذلك قال إذا كان فيه ذلك لقد أغتبته وإن لم يكن فيه ذلك لقد بهته” ومن هنا يجتنب الإنسان القدح في الآخرين والتكلم في معايبهم فإن هذا مخالف للشريعة··

الاستجابة لكل ناعق
ومن أسباب الغلو في الدين الاستعجال في الحكم على الأشخاص أو الاستعجال في سلوك طريقة ومنهج كل ما جاءه شيء استعجل في الحكم عليه سواء بموافقة أو بمخالفة والواجب على الإنسان أن يتروى وأن لا يستجيب لكل ناعق حتى يعرف حقيقة الأمر وخصوصاً من الشباب، إن بعض الشباب يكون عنده هذه العجلة أكثر من كبار السن الذين يكون قد مرت بهم حوادث سابقة تجعلهم يتروون في الأمور ولذلك لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المارقة التي تخرج من الدين من أنواع الخوارج ذكر أنهم حدثاء الأسنان وذلك لأن الشباب مظنة للاستعجال في الأحكام وعدم التروي··
ومن أسباب الغلو أيضاً وجود بعض الأحداث والمقاصد الشخصية التي يقصد بها بعض الناس رفعة لهم أو مالاً دنيوياً فيحاول أن يرفع من الغلو وأن يوجده عند الناس ولذلك تجدون أولئك الذين يقومون على محلات القبور التي يتقرب إليها من دون الله يحاولون أن يوجدوا مكانة لهذه الأماكن في قلوب الناس لما يحصل لهم من الانتفاع لأنهم يأخذون النذور والصدقات ويستولون عليها وينتفعون بها فيحبون بقاءها ويحبون أن يستمر هذا الغلو المخالف للشريعة وهكذا أيضاً يكون هناك أغراض عدوانية وبالتالي يأتي العدو ويحاول أن يجعل في الأمة غلواً من أجل عداوته لهذه الأمة ولذلك نجد عبدالله بن سبأ لما كان مقصده عداوة هذه الأمة كان يحرص على جعل هذه الأمة أن يوجد فيها من يغلو في شيء من الأحكام ولذلك كان من أسباب خروج هذه الخرفات في العصور الأولى أولئك المتآمرون من أصحاب الديانات الأخرى وإنما تآمروا عدواناً وظلماً على هذه الأمة وقد يوجد في عصرنا الحاضر من يفعل ذلك، فهناك تآمر عالمي وهناك منظمات سرية وهناك تجمعات كلها تريد أن يوجد هذا الغلو فيأتي بعض السذج وبعض الجهلة فيحققون أهداف أولئك الأعداء من حيث لا يشعرون يوهمونهم أن ما يفعلونه قربة وعبادة لله عزَّ وجلَّ وبالتالي يستجيبون لمخططاتهم ومؤامراتهم، ولذلك فإن الوصية لمن كان على مثل هذه المناهج مناهج الغلو أن يتقي الله عزَّ وجلَّ وأن يبين من ورائه من أجل أن تتضح الخيوط التي كانت سبباً في نشوء مثل هذه الأفكار الغالية··

استشراء المنكر
من أسباب الغلو أيضاً ترك النهي عن المنكرات ومنها منكر الغلو فعندما يوجد غلو ولا ننكره ولا نبين مخالفته للشريعة ينتشر في الأمة ويظن الناس أنه من الشريعة فيقدمون على فعله ويتقربون إلى الله عزَّ وجلَّ به وهكذا أيضاً منكر الجفاء عن الدين، فعندما يجفو بعض الناس ويدعون إلى ترك بعض معالم الشريعة ويسبون من يقومون على الشرع يكون سبباً في وجود ردة فعل معاكسة تكون على وفق منهج الغلو، يقول هؤلاء قد أقرهم المجتمع ولم ينكروا أفعالهم وقد سبوا الدين واستهزأوا بأهله وسبوا حلقات تحفيظ القرآن وسبوا وسبوا فدل ذلك أن المجتمع راضٍ بأفعالهم ومن هنا فإننا نعادي المجتمع، هذا منهج وطريق للغلاة من الذي سببه وأنتجه؟؟ فعل أولئك الجفاة الذين يتكلمون في الدين وأهله·

دحض شبهات الغلو
ومن أسباب انتشار فكر الغلاة عدم مناقشة الغلاة وعدم بيان أن ما يستدلون به إنما هو شبهات وليس لها مصدر وثيق من الشريعة وأن ما يعتمدون عليه ليس دليلاً شرعياً صحيحاً وإنما هي شبهات وإنما هي هباء منثور لا قيمة له عند التحقيق العلمي وبعض الناس قد يخشى من الدخول مع هؤلاء خوفاً منهم ولا شك أن هذا مخالف للشريعة وإن فيه تقديماً للرغبه الدنيوية على رغبة الآخرة وبعض الناس قد يترك مناقشة هؤلاء بأنه يخشى أن يقع فيه زلة في القول وهذا خطأ إن اللسان قد يحصل منه زلة لكن ليس معنى ذلك أن نترك مناقشة شبهات الغلاة والكلام عنهم··

طمس الشريعة
الغلو ينتج عنه آثار سيئة، فالغلو ضلال في الدين والغلو سبب لتفرق الأمة وتشتت أمرها والغلو سبب لطمس أحكام الشريعة وعدم عمل الناس بها، فالغلو نوع استدراك على الشريعة كأنه يصف الشرع أنه ناقص حتى أتى هو فكمل الشرع بما غلا فيه الغلو يترتب عليه ظلم للعباد واعتماد عليهم، الغلو تشويه لصورة الإسلام وجعل الناس يبغضون هذا الدين ولا يقبلون ما فيه من الأحكام فيكون سبباً منفراً عن الإسلام، فالغلو ترك للعمل في المشروع وتضييع للحقوق وسفك للدماء واستحلال للأمول والأعراض، فالغلو آثاره السيئة كثيرة جداً إذا تقرر هذا فمن الملاحظ على بعض الغلاة الذين يقعون في الغلو أن أفكارهم وعقلياتهم لا تكون بتلك المثابة ولا بتلك الدرجة ولذلك قد يقع الإنسان أو يترك الغلو فيكون سبباً لجعله في المسار المقابل من الجفاء فيجفو بدل أن يغلو لأن عقليته وذهنه ليست بذاك، فعندما رأى أن ما هو عليه من الغلو كان مجانباً للصواب بعيداً عنه ترك الغلو فأتى إلى مقابله من الجفاء ولذلك لابد عند مناقشة الغلاة من بيان منهج الحق وبيان الوسط الذي جاءت به الشريعة وسط بين الغلو والجفاء··

كيف العلاج؟
إذا أردنا أن نعالج الغلو ونريد خطوات عملية لمعالجة الغلو فكيف نتمكن من ذلك؟
هناك طرائق كثيرة لمعالجة الغلو من أهمها الرجوع إلى أدلة الشريعة وكل ما وردتنا مسألة رجعنا إلى أدلة الشريعة ولا نكون كالأعور ينظر إلى دليل ونترك بقية الأدلة ولابد من استكمال جميع الأدلة الواردة في المسألة التي نتناقش فيها والله جلَّ وعلا قد أمرنا بالرجوع إلى أدلة الشريعة {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ } [الشورى: 10] { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59] ومن هنا إذا وردتنا النصوص الشرعية نظرنا فيها وأعملنا أذهاننا وجمعنا بينها فإن الله عزَّ وجلَّ قال: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } [الزمر: 18] يعني أرجحه وأقواه فقد يكون هناك دليل عام وهناك دليل مخصص له وهناك دليل مطلق وهناك دليل مقيد وقد يكون هناك دليل مجمل ويأتي دليل آخر مفسر له فلابد من جمع جميع النصوص قبل أن نعمل بها··
نبذ استنقاص العلماء
طريق آخر للعلاج هو الرجوع إلى علماء الشريعة فإن الله عزَّ وجلَّ قد ميّز بين الناس في أفهامهم وفي عقولهم وفي قدرهم وفي تفرغهم لطلب العلم، فإنسان قد بذل ما في نفسه لطلب العلم تعلماً وتعليماً وهو أقرب إلى أن يكون أفهم لأدلة الشريعة من ذلك الإنسان المشغول الذي عنده تجارة وعنده واجبات اجتماعية وعنده أمور كثيرة تشغله عن طلب العلم ولذلك أمر الله جلَّ وعلا بالرجوع إلى أهل العلم ورفع مكانتهم قال تعالى {يّرًفّعٌ پلَّهٍ پَّذٌينّ آمّنٍوا مٌنكٍمً $ّالَّذٌينّ أٍوتٍوا پًعٌلًمّ دّرّجّاتُ} [المجادلة: 11] واستشهد الله عزَّ وجلَّ بأهل العلم في مواطن كثيرة استشهد بهم في مواطن القيامة واستشهد بهم على شهادة التوحيد {شّهٌدّ پلَّهٍ أّنَّهٍ لا إلّهّ إلاَّ هٍوّ $ّالًمّلائٌكّةٍ $ّأٍوًلٍوا پًعٌلًمٌ قّائٌمْا بٌالًقٌسًطٌ لا إلّهّ إلاَّ هٍوّ پًعّّزٌيزٍ پًحّكٌيمٍ “”ر81ر”} [آل عمران: 18] فاستشهد بهم على شهادة التوحيد وقد أمر الله جلَّ وعلا بالرجوع إلى علماء الشريعة قال سبحانه {$ّإذّا جّاءّهٍمً أّمًرِ مٌَنّ الأّمًنٌ أّوٌ پًخّوًفٌ أّذّاعٍوا بٌهٌ $ّلّوً رّدٍَوهٍ إلّى پرَّسٍولٌ $ّإلّى” أٍوًلٌي الأّمًرٌ مٌنًهٍمً لّعّلٌمّهٍ پَّذٌينّ يّسًتّنبٌطٍونّهٍ مٌنًهٍمً} [النساء: 83] من الذين يستنبطون الأحكام من الأدلة هم العلماء{$ّلّوًلا فّضًلٍ پلَّهٌ عّلّيًكٍمً $ّرّحًمّتٍهٍ لاتَّبّعًتٍمٍ پشَّيًطّانّ إلاَّ قّلٌيلاْ}[النساء: 83] لأتبعتم الشيطان يعني بعدم الرجوع إلى علماء الشريعة ولذلك نحذر أشد الحذر من محاولات بعض الجفاة الذين يريدون استنقاص مكانة العلماء ويريدون ألا يجعلوا للعلماء مكانة في نفوس الناس لأن هذا مناقض لمقاصد الشريعة من رفعة مكانته للعلم وهو في نفس الوقت يؤدي إلى الصد عن دين الله عزَّ وجلَّ وفي نفس الوقت هو مخالف لمنهج الشريعة في الرجوع إلى العلماء قال تعالى {فّاسًأّّلٍوا أّّهًلّ پذٌَكًرٌ إن كٍنتٍمً لا تّعًلّمٍونّ} [النحل: 43]·

الحكمة في المعالجة
من وسائل العلاج أيضاً اتباع الحكمة في معالجة الغلاة بحيث يعامل كل واحد من الغلاة بما يناسبه، فإن الغلاة ليسوا على درجة واحدة أو مرتبة واحدة فمن كان خليقاً بالمناقشة والحوار عمل بها ومن كان مبرزاً للسلاح مشهراً له هذا ما نقول نحاوره وإنما نعمل فيه، بقول النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الخوارج “فأينما لقيتهم فاقتلهم فإنما في قتلهم أجرا” فالناس يتفاوتون لكن إن كان مستعداً للحوار والمناقشة ويطلب ذلك ناقشناه وحاورناه، فالمقصود أن كل إنسان يعامل بما يناسبه بمقتضى معناه، فالحكمة إعطاء كل شيء ما يناسبه وما يحتاج إلى لين وسهولة عمل بذلك وما يحتاج إلى قوة وغلظة عمل بذلك··
الأمر الثالث من سبل العلاج احتساب الأجر في كشف الشبهات فإن الغلاة شبهاتهم ضعيفة، شبهاتهم هاوية ليس لهم حجة صحيحة وليس لهم دليل مؤصل وإنما هي شبهات وظنون ومجرد أوهام إذا ناقشها الإنسان وجد أنها لا تستند لمصدر أصيل وليس لها مستند من الشريعة··

تجفيف منابع الغلو
وسيلة أخرى من وسائل معالجة الغلو جعل الأمة تتوجه إلى النصوص الشرعية وتتدارس النصوص الشرعية، الناس عندهم عاطفة تجاه التمسك بأحكام الشريعة، هذه العاطفة إذا كانت مرتبطة بدليل شرعي ومرتبطة بعلم فإنه حينئذٍ لا يكون هناك مجال للغلو وأما إذا كان هناك عاطفة ووجدناه فعلاً مخالفاً للشريعة فإنه سيكون لنا ردة فعل وإذا لم يكن عندنا علم فإن ردة الفعل ستكون مخالفة للشريعة ولذلك لابد من تعميم دراسة العلم الشرعي بحيث يدرسه الناس جميعاً صغارهم وكبارهم إذا ورد لهم شيء من هذه الشبُّه عرفوها وفهموها سواء كان هذا في مدارس أو في مساجد أو في معاهد أو في كليات شرعية أو جامعات إسلامية لابد من تعميم ذلك ونشره في الأمة هذا أكبر وسيلة لمعالجة الغلو ومن هنا نتبين أن أولئك الذين ينسبون الغلو إلى أهل العلم أو مكان أمكنة مدارسة العلم أنهم على خطأ وليسوا على صواب وأنهم مخالفون لحقيقة الأمر، فالغلو إنما ينشأ عن الجهل وكل ما انتشر العلم في الأمة، فإنه يكون سبباً لترك هذا الغلو ومن هنا فإن وسائل معالجة الغلو الاهتمام بمحاضن العلم الشرعي وأماكن دراسته سواء كان في حلقات تحفيظ القرآن أو في معاهد دينية أو في جامعات إسلامية، هذا من أكبر الأسباب له لأن القرآن والسنة هما أكبر وسيلة لمعالجة كل مخالفة للشريعة ومن أنواع المخالفات الغلو عندما يقرأ الإنسان النصوص الشرعية الواردة في النهي عن الغلو حينئذٍ سيكون عنده حصانة، عندما يعرف الإنسان الحدود الشرعية للأحكام يعرف ما أمرت به الشريعة وما نهت عنه الشريعة فإنه سيتوقف على ما أخذه ودرسه ولن يكون هناك مجال لدخول الغلو عليه··

إبراز العلماء
من طرق معالجة الغلو إبراز علماء الشريعة وجعل الناس يرجعون إليهم وبيان مكانتهم لأنهم هم الذين يتمكنون من كشف هذه الشبهات التي يتكلم بها الغلاة وعندما نظهر المنهج السلفي الصحيح يكون قد حاربنا الغلو لأن بعض الغلاة أصبح يرفع راية السلفية يسمون أنفسهم سلفية، سلف وهذا ليس بصحيح وهم مخالفون ورفع الإنسان للشعار ليس معناه أنه قد التزم بالسلفية الحقة التي تؤخذ من الكتاب والسنّة ومن منهج النبي صلى الله عليه وسلم ومنهج صحابته مخالفة لطرائق هؤلاء الغلاة··
من طرق العلاج أيضاً للغلو في الدين تحديد معاني المصطلحات الشرعية وبيان المراد بها وبيان شروطها وضوابطها وموانعها، عندما نبين الجهاد نبين شروطه وضوابطه والمفهوم الشرعي له، لا يتمكن الغلاة من أن يستغلوا هذا المفهوم لأن لفظة الجهاد في الكتاب والسنّة فعندما يأتي آتٍ ويقول: ألغوا لفظة الجهاد وألغوا باب الجهاد من تدريسه نقول حينئذٍ يتمكن الغلاة من استغلال هذا اللفظ الشرعي ويجعلونه ينطوي على بعض من لا يعرف الأحكام الشرعية، من ثم لابد من تدريس هذه المصطلحات وبيان شروطها وضوابطها حتى لا يتمكن أولئك من استغلال مثل هذه المصطلحات الشرعية في أفكارهم الغالية المخالفة للشريعة··

رد علمي
وهكذا أيضاً من طرق معالجة الغلو توقيف المستهزئين بالشرائع والمفرقين للأمة بالرد العلمي الذي يبنى على أسس علمية، هذا مقبول وليس فيه إشكال وليس فيه قدح من أحد لأحد وأما أن تبنى مثل هذه الردود على قدح شخصي هذا غير مقبول ويؤدي إلى تعصب وإلى غلو وإلى تفريق الناس وتشتتهم فيكون غير مقبول لدينا·· من طرق معالجة الغلو سلوك المنهج الصحيح في الاستدلال بالنصوص الشرعية ما يكون دليلاً وما يكون في الاستنباط من أدلة في الموازنة بين المتعارضات··

مجتمع أخوي
هكذا أيضاً من طرق معالجة الغلو التعاون بين الولاة والرعية، بين الحاكم والمحكومين، يتعاونون على ما فيه خير وصلاح ويعتبرون أنفسهم بمثابة أهل بيت واحد عندما تجد من أخيك تصرفاً غير لائق تنصحه وترشده وتبين له الأمر ولا تعاديه ولا تقاتله ولا تتكلم في عرضه ولا يكون ذلك سبباً لظلمك له لا وإنما تتعاون بحيث تحاول أن تعيده إلى الخير والصواب بأسلوب مناسب يكون مقتنعاً به، هكذا أيضاً فيما يتعلق بمعاملة الحكام والولاة والرعية يكون هناك تعاون بينهم، كل منهم يحب الآخر، كل منهم يدعو للآخر كل منهم يرغب في الخير للآخر··
أيضاً من أسباب معالجة الغلو جعل التجمعات التي تكون عند الناس ظاهرة بينة تشاهد ما عنده لأن الناس إذا كان تجمعهم ظاهراً عرف ما لديهم ولم يتكلموا في الأمور الخفية والطرائق السرية وأساليب الغلو لكن إذا كانت تجمعاتهم خفية يجتمعون في إستراحات وفي غيرها أصبحوا حينئذٍ يتكلمون في أمور مخالفة للشريعة لا يدرون عنها ويتكلم المتكلم بما في نفسه ولا يتمكن أحد من الرد عليه لكن إذا كان تجمعات الناس ظاهرة جلية، نحن الآن نجتمع في المسجد لا يرد أحد على مثل هذا الاجتماع، حلقات تحفيظ القرآن في المسجد من أراد أن يحضرها تمكن من حضورها، إذاً هذه تجمعات ظاهرة مشاهدة ما، وليس هناك ما يمنع هذه التجمعات الظاهرة الجلية الواضحة أما إذا اجتمعوا في محلات سرية يكون فيها ما لا يعلم بحقيقته فيكون المناخ مهيئاً لانتشار الغلو وانتشار الأفكار المخالفة للشريعة·· من طرق الشريعة لمعالجة الغلو فقد رغبت الشريعة في النصيحة فوجدنا شيئاً من هذه في المناهج وهذه الطرائق الغالية مجدية لبيان حكم الشريعة·
أيضاً ما جاءت به الشريعة أنها حذّرت من زلة العالم لأن الإنسان مهما كان ومهما بلغ في العلم من رتبة فإنه قد يخطئ لأنه ليس معصوماً فإذا وقعت زلة من عالم حذرناه منها وبينا له أنها مخالفة للشريعة، كيف نعرف إنها زلة؟؟ عندما نجد عالماً يقول بقول ثم نجد العلماء كافة مطبقين مع اختلاف بلدانهم واختلاف أغراضهم واختلاف هيئاتهم واختلاف مراتبهم يحذرون من مثل ذلك الفعل ومن مثل ذلك القول نستدل أن هذا مزلة وأنه مخالف للشريعة لكن كون العالم وقع في زلة ليس معنى ذلك يبيح لنا أن نتكلم في عرضه أو نقدح فيه أو أن نسبه، هذا ما يجوز ومن المحرمات ولو وقع في عشر زلات أو زل عشرين مرة هذا لا يكون سبباً للقدح فيه وإنما يبين للناس أن هذه زلة وأنه لا يجوز اتباعه عليها··

المعالجة الموضوعية
كذلك من الطرق الذي يمكن بها معالجة الغلو معالجتها من خلال وسائل الإعلام المختلفة بحيث تكون هناك موضوعية وبحيث لا يكون هناك في هذه الجرائد وهذه الوسائل إستهزاء للمتدينين أو أهل الدين بحيث يتخذون هذا الموضوع موضوع معالجة الغلو تصفية حسابات بينهم وبين غيرهم، كل من لم يرغبوا فيه جعلوه منسوباً إلى الغلو وجعلوا فعله وقوله من الغلو حينئذٍ لابد من الرجوع إلى الأدلة الشرعية وإلى علماء الشريعة في تحديد الغلو وأما أن يأتي صحفي لا يحمل إلا شهادة المتوسطة والثانوي وهو يصنف الأفعال ويصنف الأشخاص هذا غالٍ وهذا غير غالٍ، هذا غير مقبول ومخالف لطريقة الشريعة·· كذلك من معالجة الغلو عدم السماح بما ينشر في الوسائل الإعلامية من تصوير المخالفات الشرعية على أنها أمور طبيعية بحيث يوجد ردة فعل لدى بعض الناس تجعله يسلك مسلك الغلو وهو ما حذّرت منه الشريعة ونهت عنه ويجب التحذير منه ولا يجوز للإنسان أن يجعله أمراً سهلاً وميسوراً وأن ينشره في مثل هذه الوسائل··
هناك طرق للمعالجة كثيرة والوقت عندنا محصور ولذلك نسأل الله جلَّ وعلا أن يوفقنا وإياكم لخير الدنيا والآخرة وأن يبعد الغلو عن أمة الإسلام وأن يهدي الغالين وأن يردهم رداً جميلاً لوسطية الشريعة، كما نسأله جلَّ وعلا أن يصلح أحوال الأمة وأن يجعلها أمة خير وأن يعيدها إلى منهج النبي صلى الله عليه وسلم ومنهج صحابته رضوان الله عليهم ومنهج سلف الأمة الذي يقول فيهم صلى الله عليه وسلم: “خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم” كما نسأله سبحانه وتعالى أن يكفي هذه الأمة شر أعدائها وأن يوفقنا وإياكم جميعاً للعمل بكتابه والاهتداء بهدي نبيه محمد صلى الله عليه وسلم·

24 أكتوبر, 2007
مصنف ضمن : محاضرة العدد