قاعدة الضرورات تبيح المحظورات

 

* بما أن الضرورة تعد سبباً من الأسباب الرئيسة للرخص
الشرعية  فقد نالت في الفقه الإسلامي وضعاً
تشريعياً متميزاً

* لا بد للعمل بحكم الضرورة تحقق شروطها مع الأخذ بعين الاعتبار
الفروق الفردية والجماعية واختلاف الزمان والمكان
إذ لا يمكن قياس جميع حالات الضرورة بمقياس واحد لاختلاف معاييرها

دراسة
تأصيلية تطبيقية

 

إعداد:
د· حنان بنت محمد بن حسين جستنيه

الأستاذ بقسم القرآن
الكريم والدراسات الإسلامية – كلية التربية للبنات – جامعة أم القرى

 

المقدمة:

الحمد
لله رب العالمين، حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على سيدنا
محمد خاتم المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى أله وصحبه أجمعين، ومن سار على
نهجه إلى يوم الدين، وبعد:

جاء
الإسلام ديناً كاملاً شاملاً متجدداً، لا يعتريه قصور أو نقصان، منسجماً مع الفطرة
البشرية، ملبياً لحاجاتها، معالجاً لجميع الجوانب التي لا تصلح حياة الإنسان
بدونها، ولذلك فقد راعت الشريعة الإسلامية الضرورات، والحاجات، والأعذار التي تنزل
بالناس، فقدرتها حق قدرها، وشرعت لها أحكاماً استثنائية تناسبها، وفقاً لا تجاهها
العام في التيسير على الخلق، ورفع الحرج والمشقة كما قال تعالى في ختام آية
الصيام: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ }
[البقرة: 185]، وبعد آيات المحرمات في النكاح وما يتعلق بها: {يُرِيدُ اللَّهُ أَن
يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا } [النساء: 28]، وفي ختام آية
الطهارة: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ } [المائدة: 6]·

ومن
هنا جاءت القاعدة الأساسية الجليلة: (المشقة تجلب التيسير)(1)، وبناء عليها شرعت
الرخص الشرعية والتخفيفات في أبواب الطهارة، والصيام، والحج وغيرها للمرضى،
والمسافرين، وأصحاب الأعذار المختلفة(2)·

وبما
أن الضرورة تعد سبباً من الأسباب الرئيسة للرخص الشرعية، فقد نالت في الفقه
الإسلامي وضعاً تشريعياً متميزاً، إذ تتعدد مصادرها وتتنوع خصائصها وتتفرع آثارها،
ويتجلى من خلالها واقعية التشريع الإسلامي، وكيفية مراعاة القيم الشرعية وارتباطها
بالمرونة التشريعية· فتعرض المكلف لحالة من الخطر أو المشقة الشديدة  التي تجعله يخاف على نفسه أو عرضه أو ما له،
لها اعتبار خاص في التشريع·

وعلى
هذا الأساس تقررت القاعدة الشرعية: الضرورات تبيح المحظورات(3)، لكل ما يتحقق
الاضطرار إليه في معترك الحياة؛ لأجل دفع العنت واتقاء الهلاك؛ ما سلم من المعارضة
المساوية أو الراجحة، وما يكملها من قواعد متفرعة عليها·

وفي
هذا البحث أتناول بيان هذه القاعدة بتعريفها، وبيان حكمها، وذكر الشروط المقيدة
لها، مدعمة بالتطبيقات الفقهية التي ذكرها فقهاؤنا قديماً وفي واقعنا المعاصر،
وبيان وجه ارتباط الصور المذكورة بقاعدة الضرورات وما يلحقها من قواعد، مع
الاقتصار في الفروع الخلافية مع الإشارة إلى القول المخالف·

وقد
انتظمت هذه الدراسة في مقدمة، وخمسة مباحث على النحو التالي:

المقدمة،
وتشتمل: أهمية الموضوع، وخطة الدراسة·

المبحث
الأول: معنى القاعدة، ويشتمل على مطلبين:

المطلب
الأول: معاني مفردات قاعدة: “الضرورات تبيح المحظورات”·

المطلب
الثاني: صيغ قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات)، ومعناها الإجمالي·

المبحث
الثاني: تأصيل قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات)·

المبحث
الثالث: حكم الضرورة بناء على قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات)·

المبحث
الرابع: شروط ضوابط قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات)·

المبحث
الخامس: تطبيقات القاعدة في النظر الفقهي·

المطلب
الأول: تطبيقات القاعدة عند الفقهاء قديماً·

المطلب
الثاني: التطبيقات المعاصرة للقاعدة·

أسأل
الله العلي القدير التوفيق والسداد، والحكمة وفصل الخطاب، وأن يجعل عملي خالصاً
لوجهه الكريم، والحمد لله رب العالمين·

 

المبحث
الأول

معنى
القاعدة

ويشتمل
على مطلبين:

المطلب
الأول: معاني مفردات قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات)

أولاً:
تعريف الضرورة لغة واصطلاحاً:

الضرورة
لغة: هي الحاجة والشدة التي لا مدفع لها، وهي المشقة، والجمع ضرورات، وهي اسم من
الاضطرار، والذي يعني الاحتياج إلى الشيء، يقال اضطره إليه: أحوجه وألجأه·
والضروري: كل ما تمس إليه الحاجة، وهو خلاف الكمالي· وأصل الضر خلاف النفع(4)·

الضرورة
في اصطلاح الفقهاء: تنوعت عبارات الفقهاء في تعريفهم للضرورة فعرفها بعضهم بأنها:
بلوغ الإنسان حداً إن لم يتناول الممنوع هلك، أو أشرف على الهلاك(5)·

وهذا
التعريف يقتصر على حالات الضرورة التي تتعلق بتناول الممنوع من الغذاء والدواء
لحفظ النفس، وهو المعنى الخاص للضرورة والذي شاع استعماله عند الفقهاء، ولا تقتصر
الضرورة عليه، بل يقاس على ذلك كل ما يترتب على مخالفته ضرر، أو خطر يلحق بالنفس
ونحوها وقد يؤدي إلى الهلاك، وهو ما اعتمده بعض الفقهاء في بيانهم لحد الضرورة·

جاء
في الشرح الصغير: (الضرورة هي حفظ النفوس من الهلاك أو شدة الضرر(6)· فاقتصره في
تعريفه على حالات الضرورة التي تتعلق بحفظ النفس من الهلاك، أو الضرر الشديد·

ولم
تبعد تعريفات الفقهاء المعاصرين كثيراً عن تعريفات الفقهاء القدامى، فعرفت الضرورة
بأنها: (الأمر الذي يحصل بدمه موت، أو مرض مخوف، أو عجز عن الواجبات)(7)، فاقتصر
هذا التعريف على الضرورة المتعلقة بحفظ النفس، أو التي يترتب عليها ترك واجب·

وجاء
في تعريفها أيضاً: الضرورة هي ما يترتب على عصيانها خطر، وهي أشد دافعاً من
الحاجة(8)· وهو تعريف عام لم يبين أنواع الضرورة وأثرها، وإنما بين الفرق بين
مرتبة الضرورة ومرتبة الحاجة·

وعرف
بعض المعاصرين الضرورة بذكر أنواعها وأثرها، يقول أ·د· وهبة الزحيلي في تعريفه
للضرورة: (هي أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث
ضرر أو أذى بالنفس، أو العضو، أو العرض، أو العقل، أو المال، ويتعين أو يباح عندئذ
ارتكاب الحرام، أو ترك الواجب، أو تأخيره عن وقته دفعاً للضرر عنه في غالب ظنه ضمن
قيود الشرع)(9)·

وهذا
التعريف شامل لكل أنواع الضرورة المتعلقة بالمحافظة على الدين، والنفس، والنسل
والعقل، والمال، ورفع الحرج، ودفع المشقة عن الفرد المسلم، كالدفاع عن النفس، أو
المال، أو تناول المحرم من الغذاء والدواء لحفظ النفس، أو دفع الضرر الشديد عنها،
أو الانتفاع بمال الغير، أو القيام بالفعل تحت تأثير الخوف، أو الإكراه، أو
المحافظة على مبدأ التوازن في العقود وغيرها(10)·

ويظهر
من خلال التعريفات السابقة أن الضرورة في الاصطلاح الشرعي حاجة شديدة لا مدفع لها،
يترتب عليها لجوء المضطر إلى مخالفة الحكم الشرعي، وقد اختصت بأعلى درجات المصالح
وأقواها، وهو كونها مصلحة ضرورية، كما اختصت بكونها أقوى الأعذار الموجبة للرخصة
على الإطلاق، وهو الاضطرار·

ثانياً:
تعريف الإباحة لغة واصطلاحاً:

الإباحة
لغة: الإظهار والإعلان، وتأتي بمعنى الإذن والإطلاق والإحلال· والمباح خلاف
المحظور، يقال: أبحتك الشيء أي أحللته لك، وأباح الرجل ماله أذن في الأخذ
والترك(11)·

واصطلاحاً:
للأصوليين في تعريف المباح أقوال كثيرة منها: تعريفها بأنها: (ما دل الدليل السمعي
على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل والترك من غير بدل(12) وعرفها الفقهاء
بأنها: الإذن بإتيان الفعل حسب مشيئة الفاعل في حدود الإذن(13)· وقد تطلق الإباحة
على ما قابل الحظر، فتشمل الفرض والإيجاب والندب(14)·

ثالثاً:
تعريف المحظور لغة واصطلاحاً:

المحظور
في اللغة: يطلق الحظر في اللغة على عدة معان، منها: الحبس، والحجر، والحيازة،
والمنع، وهو خلاف الإباحة، والمحظور هو الممنوع(15)·

ولا
يخرج معناه في اصطلاح الفقهاء عن المعنى اللغوي فالمحظور هو الممنوع شرعاً، وهو
أعم من أن يكون حراماً أو مكروهاً·

وقصره
بعضهم على المحرم فقط وعلى هذا عرفوا المحظور بأنه: (ما يثاب بتركه ويعاقب على
فعله)(16)·

وعند
الأصوليين: (هو ما ينتهض فعله سبباً للذم شرعاً بوجه ما من حيث هو فعل له)(17)·

المطلب
الثاني: صيغ قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، ومعناها الإجمالي:

عبر
الفقهاء عن قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) بعبارات عدة منها: الواجب بالشرع قد
يرخص عند الحاجة، والواجبات الشرعية تسقط بالعذر، والواجبات تسقط للحاجة،
والواجبات كلها تسقط بالعجز، والمحظورات لا تباح إلا في حال الاضطرار(18)، وغيرها
من العبارات التي يستخلص من خلالها أن المعنى العام للقاعدة هو: أن الممنوع شرعاً
يباح عند الاضطرار، فيرتفع الإثم والمؤاخذة الأخروية عند الله تعالى، وقد يرتفع
العقاب الجنائي في بعض الحالات، أما حقوق الآخرين المالية المترتبة على فعل
المحظور فلا تسقط ويلزم الضمان(19)·

وتتفرع
هذه القاعدة عن قاعدة (الضرر يزال)(20)، باعتبار أنها أخص منها(21)، كما تعد من
فروع قاعدة (المشقة تجلب التيسير)، وقاعدة (إذا ضاق الأمر اتسع(22)، وقاعدة (لا
ضرر ولا ضرار)(23)، لأن ما تفرع عن هذه القاعدة يمكن أن يتفرع عن القواعد الثلاث·

 

المبحث
الثاني

تأصيل
قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات)

هذه
القاعدة مأخوذة من النص، فمن الكتاب العزيز: الأصل فيها ما جاء بعد ذكر الأطعمة
المحرمة حيث ورد استثناء حال الضرورة والمخمصة(24)، وذلك في خمسة مواضع من القرآن
الكريم:

الأول:
قوله تعالى:  {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ
الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [البقرة: 173]·

فذكر
المحرمات من الأطعمة محصورة في أربع: الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله
به، ثم استثنى حالة الاضطرار، فأباح للمضطر ما حرم على غيره، بشرط أن يكون غير باغ
في أكله، ولا عاد بأن لا يتجاوز حد الضرورة إلى حد الاختيار، كمن يجد عن هذه
المحرمات بديلاً ويأكلها، فأباح الله في حالة الاضطرار أكل جميع المحرمات لعجزه عن
جميع المباحات، فصار عدم المباح شرطاً في استباحة المحرم(25)·

يقول
ابن العربي(26) – بعد بيانه لقوله تعالى: { فَمَنِ اضْطُرَّ }-: (هذا الضرر الذي
بيناه يلحق إما بإكراه من ظالم، أو يجوع في مخمصة، أو يفقر لا يجد فيه غيره؛ فإن
التحريم يرتفع عن ذلك يحكم الاستثناء، ويكون مباحاً، فأما الإكراه فيبيح ذلك كله
إلى آخر الإكراه)(27)·

الثاني:  { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ
وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ
وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ
إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا
بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن
دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ
اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ (3)} [المائدة]·

وفي
هذه الآية تقرير، وتأكيد لما جاء في الآية السابقة من سورة البقرة، وإن كان فيها
تفصيل لبعض أنواع الميتة، وقوله تعالى في هذه الآية: { غَيْرَ مُتَجَانِفٍ
لِّإِثْمٍ} [المائدة]، مثل قوله تعالى في آية البقرة:  { غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ } [البقرة]،
والمعنى أن ارتكاب المحرم هنا لوقوع المسلم تحت ضغط الضرورة وقهرها، لا رغبة في
الإثم، ولا ابتغاء للشهوة، ولا عدواناً على أحد(28)، وبشرط عدم تجاوز قدر الضرورة،
حيث نص الفقهاء على تقييد الإباحة في أحوال الاضطرار بقدر الضرورة كما سيـأتي
بيانه في الشرط الخامس من شروط القاعدة·

الثالث:  { وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا
ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ
إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم
بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ } [الأنعام]·

وفي
هذه الآية ذكر الله تعالى الضرورة وأطلق الإباحة بوجودها من غير شرط ولا صفة، في
قوله تعالى: { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا
اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } [الأنعام: 119]
فاقتضى ذلك وجود الإباحة بوجود الضرورة في كل حال وجدت الضرورة فيها(29)·

الرابع:
قوله تعالى: { قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ
يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ
خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ
اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الأنعام]·

الخامس:
{ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [النحل: 115]·

ومن
السنَّة النبوية الشريفة الأصل فيها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا
ضرار)(30)·

وقد
توجه كثير من العلماء – كما تقدم – لاعتبار قاعدة الضرورات تبيح المحظورات متفرعة
عن قاعدة (الضرر يزال) باعتبار أنها أخص منها(31)·

وعن
أبي واقد الليثي(32)- رضي الله عنه – قال: قلت: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا بها
مخمصة، فما يحل لنا من الميتة؟ قال: (إذا لم تصطبحوا(33) ولم تغتبقوا(34) ولم
تحتفئوا(35) بقلا فشأنكم بها)(36)· (وذلك يدل على أنه لا يأكل الميتة ما وجد
تعليلاً من تبقل، أو غيره يمسك نفسه ويؤمنه الموت)(37)·

 

المبحث
الثالث

حكم
الضرورة بناء على قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات)

المراد
بحكم الضرورة الأثر المترتب عليها، وقد بين السيوطي(38) وغيره حكم الضرورة بعد
تعريفها بقوله: (وهذا يبيح الحرام)(39)، وجاء في قواعد الأحكام في بيان مناسبة
العلل لأحكامها: (الضرورات مناسبة لإباحة المحظورات جلباً لمصالحها)(40)، فالضرورة
تبيح تناول المحرم وارتكاب المحظور في الشريعة الإسلامية ما دامت حالة الضرورة
قائمة؛ وقد ثبت هذا بنص القرآن الكريم، والسنَّة النبوية، وإجماع المسلمين، إلا أن
الرخصة(41) حالة الضرورة قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وقد يكون تركها أفضل·

ومثال
الأولى: من غص بلقمة، ولم يجد ما يسيغها به إلا الخمر، فإنه يجب عليه ذلك؛ لأن
حرمة النفس عظيمة، ومفسدة فواتها تزيد على مفسدة تناول المحرم، وكذلك المريض إذا
خاف على نفسه من الصوم ضرراً في نفسه أو عضو من أعضائه، فيجب عليه الفطر·

وأما
الرخصة التي يستحب فعلها فكالفطر لمن شق عليه الصوم ولم يخف على نفسه ضرراً·

وأما
الرخصة التي تركها أفضل فكالفطر لمن لا يتضرر بالصوم، والتيمم لمن وجد الماء يباع
بأكثر من ثمن المثل وهو قادر عليه(42)·

ثم
إن العمل بحكم الضرورة حالة مؤقتة، ومسألة استثنائية، لذا فالواجب في مقام الضرورة
السعي الجاد لإزالتها، وبذل الجهد في سبيل رفعها، وهو من فروض الكفاية على هذه
الأمة، وفرض متعين على القادرين·

قال
ابن عبدالبر(43): (وجملة القول في ذلك: أن المسلم إذا تعين عليه رد رمق مهجة
المسلم وتوجه الفرض في ذلك بألا يكون هناك غيره قضي عليه بترميق تلك المهجة
الآدمية)(44)·

كما
أنه لا بد للعمل بحكم الضرورة تحقق شروطها مع الأخذ بعين الاعتبار الفروق الفردية
والجماعية، واختلاف الزمان والمكان، إذ لا يمكن قياس جميع حالات الضرورة بمقياس
واحد؛ لاختلاف معاييرها، فالمشقة المعتبرة في التخفيفات ليس لها ضابط مخصوص، ولا
حد محدود يطرد في جميع الناس، وتمييز الضعف الذي يحصل عنده الرخصة عن الحد الذي لا
يحصل عنده شاق ومشتبه، ولذلك أقام الشرع في جملة التخفيفات السبب مقام العلة؛
فاعتبر السفر سبباً للرخصة؛ لأنه مظنة وجود المشقة، وترك الحرية للمكلف في الأخذ
برخص السفر بناء على ما يجد من المشقة، وترك الحرية للمكلف في الأخذ برخص السفر
بناء على ما يجد من المشقة· وترك كثيراً منها للاجتهاد، ففي حالة المرض مثلاً، فإن
القدرة على التحمل والصبر تختلف باختلاف الأفراد، ولا يقدر على ضبطها، فقد يقوى
فرد في مرضه على ما لا يقوى عليه الآخر، فتشرع الرخصة في حق أحدهما دون الآخر، ومن كان من المضطرين معتاداً للصبر على الجوع،
ولا تختل حاله بسببه، بل تلحقه المشقة بعد الأكل، لا يتساوى مع من لا يقدر على
الصبر على الجوع وتختل حاله بعدم الأكل، فالأول يخير في الأكل من الميتة، والثاني
يجب عليه الأكل(45)·

وقد
قرر الإمام الشاطبي(46) – رحمه الله- ذلك حيث ذكر (أن سبب الرخصة المشقة، والمشقة
تختلف بالقوة والضعف، وبحسب الأحوال، وبحسب قوة العزائم وضعفها، وبحسب الأزمان،
وبحسب الأعمال)(47)·

وهذا
يوضح سبب اختلاف الفقهاء في مسائل الضرورة، رغم اتفاقهم على اعتبار آثارها، كما
يعد من أبرز الدلائل على واقعية التشريع الإسلامي في اعتباره للظروف الطارئة
واختلاف معايير الضرورة باختلاف أحوال الأفراد ومراعاة ذلك من جميع الجوانب·

كما
أن التخفيف التشريعي المذكور في حالات الاضطرار لا يقتصر على الضرورة الملجئة، بل
يشمل الحاجات التي هي دون الضرورة، فيؤثِّر هذا الاحتياج في تغيير الحكم، ويوجب
تخفيفاً يجيز فعل المحظور، وعلى هذا تقررت القاعدة الفقهية (الحاجة تنزل منزلة
الضرورة عامة أو خاصة)(48)·

فالحاجة
يفتقر إليها للتوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوات
المطلوب، إلا أنها أدنى مرتبة من الضرورة إذ لا يبلغ الفساد المترتب على عدم
مراعاتها ما يترتب على عدم مراعاة الضرورة(49)، والحاجة العامة يحتاج إليها عموم
الناس في مصالحهم العامة من تجارة وصناعة، أما الحاجة الخاصة فيحتاج إليها طائفة
من الناس كأهل مدينة معينة، أو يحتاج إليها فرد أو أفراد معينين·

إن
قيام الحاجة منزلة الضرورة ينبني عليه كثير من الأحكام تشمل أبواباً ومسائل، منها:
مشروعية الإجارة، والمزارعة(50)، والمساقاة(51)، والاستصناع(52) على خلاف القياس؛
فإنها معاملة على معدوم، لكن الحاجة العامة دعت إلى ذلك فجوزت تيسيراً وتخفيفاً(53)·

ومنها:
جواز العقود الجائزة(54)، كالشركة والعارية ونحوها؛ لأن لزوم هذه العقود يوقع في
الحرج، ويكون سبباً في عدم العمل بها، فجوزت على خلاف الأصل، إذ الأصل في العقد
اللزوم(55)·

ومن
التطبيقات الفقهية المعاصرة لهذه القاعدة: جواز التحكم المؤقت في الإنجاب، إذ دعت
إليه حاجة معتبرة شرعاً، بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراض، شرط ألا يترتب
على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، وألا يكون فيها عدوان على حمل قائم(56)·

وبهذا
صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي بالدورة الخامسة بالكويت في 1-6/5/1409هـ، 10-15
ديسمبر 1988م(57)·

ومنها: اختيار بعض أهل العلم جواز اختيار جنس الجنين عن طريق التدخل الطبي للحاجة، وممن أفتى بهذا فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، حيث ذكر أنه قد يرخص الدين في عملية اختيار الجنس، ولكن يجب أن تكون رخصة للضرورة، أو الحاجة المنزلة منزلة الضرورة، وإن كان الأسلم والأولى تركها لمشيئة الله وحكمته، وذكر أنه لا حرج على الطبيب المسلم أن يقوم بهذه العملية، استجابة لطلب الزوجين، واختيارهما أن يكون جنس الجنين ذكراً، إذا كان ذلك ملبياً لحاجة معتبرة عند الزوجين، المهم أن لا يكون اختيار الذكر بسبب كراهية جنس الإناث، فإن هذا من تفكير أهل الجاهلية وعملهم، الذي أنكره عليهم القرآن في مثل قوله تعالى: { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ } [النحل: 58]· وبين فضيلته أن عمل الطبيب هنا لا يتنافى مع قول الله تعالى: { لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن
يَشَاءُ الذُّكُورَ } [الشورى: 49]، لأن الطبيب يعمل في إطار مشيئة الله تعالى،
فهو الذي يهيئ الأسباب للإنجاب، ويزيل من طريقه الموانع والعوائق، ويوفق الطبيب في
عمله حتى لا يخطئ، ويحمي النطفة الملقحة، حتى تصل إلى الهدف المرتجى، ويكتب
للتجربة النجاح، كل ذلك بمشيئة الله تعالى، التي لا يخرج شيء في الكون عن سيطرتها،
فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن: { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ }
[هود: 107]·

وإذا
كانت نسبة النجاح في عمل الطبيب هي 65% أو أكثر من ذلك، فإن مشيئة الله تعالى تظل
هي الغالبة والحاكمة والله أعلم(58)·

وقد
صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته التاسعة عشرة
المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من 22-26/10/1428هـ الموافق 3-7/8/2007م، معارضاً
لاختيار فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، حيث جاء فيه جواز اختيار جنس الجنين
بالطرق الطبيعية كالنظام الغذائي، والغسول الكيميائي، وتوقيت الجماع بتحري وقت
الإباضة؛ لكونها أسباباً مباحة لا محذور فيها·

وبين
قرار المجمع أنه لا يجوز أي تدخل طبي لاختيار جنس الجنين، إلا في حالة الضرورة
العلاجية في الأمراض الوراثية، التي تصيب الذكور دون الإناث، أو بالعكس، فيجوز
حينئذ التدخل، بالضوابط الشرعية المقررة، على أن يكون ذلك بقرار من لجنة طبية
مختصة، لا يقل عدد أعضائها عن ثلاثة من الأطباء العدول، تقدم تقريراً طبياً بالإجماع
يؤكِّد أن حالة المريضة تستدعي أن يكون هناك تدخل طبي حتى لا يصاب بالمرض الوراثي،
ومن ثم يعرض هذا التقرير على جهة الإفتاء المختصة لإصدار ما تراه في ذلك·

والظاهر
أن قولهم هذا مبني على أن الحاجة لا يمكن اعتبارها قائمة مقام الضرورة بصفة مطلقة
في إباحة المحظور؛ لأن الحنيفية السمحة إنما أتي فيها بالسماح بما هو جار على
أصولها، وليس تتبعاً للرخص، وكما هو مقرر فإن الضرورة أشد باعثاً على المخالفة من
الحاجة·

وكل
مصلحة لا ترجع لحفظ مقصود من مقاصد الشريعة فهي باطلة، ولا تأثير للحاجة في مثلها،
إذا الانتقال من الحرمة للإباحة يشترط له أعلى المراتب، والحاجة ليست من أعلى
المراتب(59)· كما أن تأثير الحاجة في الحكم وقيامها مقام الضرورة في إباحة المحظور
يرتبط بنوع المحرم، وهل هو محرم تحريم المقاصد، أم تحريم الوسائل أو الذرائع؟

جاء
في إعلام الموقعين: (الربا نوعان: جلي وخفي، فالجلي حرم لما فيه من الضرر العظيم،
والخفي حرم؛ لأنه ذريعة إلى الجلي؛ فتحريم الأول قصداً وتحريم الثاني وسيلة)(60)،
والوسائل لها حكم المقاصد من تحريم وتحليل، إلا أنها أدنى رتبة منها(61)،  وما حرم سداً للذريعة أخف مما حرم تحريم
المقاصد؛ ولذلك يباح للمصلحة الراجحة كما أبيحت العرايا(2) من ربا الفضل، وكما
أبيح النظر للخاطب، والشاهد، والمعامل من جملة النظر المحرم(63)·

وعلى
هذا فالحاجة لا تدخل في نهي من مرتبة عليا، كما أنه لا تأثير لها مع وجود نص
بخلافها، فلا يجوز التخفيف بالحاجة مع وجود نص(64)، وتنزيلها منزلة الضرورة له
منهجية شرعية مقيدة بضوابط ينبغي الالتزام بها·

 

المبحث
الرابع

شروط
وضوابط قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات)

حتى
يصح الأخذ بقاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات والعمل بها فلا بد من تحقق شروط تطبيق
القاعدة، ومراعاة الضوابط المقيدة لها، والتي تضم جملة من القواعد الفقهية المنظمة
لأحكام الضرورة، وبيان ذلك كما يلي:

الشرط
الأول: تحقق قيام الضرورة بالفعل، أو غلبة الظن بحصولها؛ لأن أحكام التخفيف حالة
الضرورة لا يجوز أن تبنى على توقع أو توهم حصول حالة الضرورة، ويؤكِّد ذلك ما تقرر
من كون الأحكام الشرعية إنما تناط باليقين، والظن الغالب، ولا التفات فيها إلى
الأوهام والظنون المرجوحة والاحتمالات البعيدة(65)، فالرخص لا تناط بالشك(66)·

ولذا
فما يدعيه كثيرون في هذه الأيام من ضرورة التختم بالذهب، أو ضرورة التعامل الربوي،
أو الضرورة الاقتصادية التي تسمح ببيع الخمور وفتح الملاهي للسياح ونحو ذلك، كل
هذا لا يعتبر من الضرورات الحقيقية، ولا يباح من أجله الحرام سواء أكان ذلك في
بلاد الإسلام، أم غيرها(67)·

الشرط
الثاني: أن تكون الضرورة ملجئة بحيث يخشى تلف نفس، أو تضييع المصالح الضرورية، وهي
حفظ الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والمال، والعقل، والعرض(68)·

الشرط
الثالث: انتفاء وسائل دفع الضرر من المباحات(69)، بحيث لا تكون للمضطر وسيلة لدفع
الضرر إلا المخالفات الشرعية من الأوامر والنواهي، ولذا فمتى تمكن المضطر من إزالة
الضرر بوسيلة مباحة امتنع عليه ارتكاب المحظور؛ لعموم قوله تعالى: { فَاتَّقُوا
اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [التغابن]·

وعلى
هذا يجوز التداوي بالنجاسات إذا لم يوجد طاهر يقوم مقامها؛ لأن مصلحة العافية
والسلامة أكمل من مصلحة اجتناب النجاسة، فأبيح التداوي بها للضرورة(70)·

الشرط
الرابع: أن يكون الضرر المترتب على حالة الضرورة أعلى من الضرر في المحظور الذي
يحل الإقدام عليه·

وقد
وردت القاعدة مقيدة بهذا الشرط عند الفقهاء· جاء في المنثور في القواعد: (الضرورات
تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها)(71)، والمعنى المراد: أنه يلزم للعمل
بقاعدة الضرورات تحقق نقصان الضرر في حالة الضرورة أنقص أو مساوياً للضرر المترتب
على حالة الضرورة، فلا يباح للمضطر الإقدام على فعله، ولا يخضع لأحكام الضرورة،
كالإكراه بالقتل على القتل، أو الزنا، فلا يباح واحد منهما؛ لما فيه من المفسدة
الراجحة؛ لأن الاستسلام للقتل أخف مفسدة من الإقدام على قتل مسلم بغير حق، أو
إحلال بضع محرم، فنفس القاتل وعرضه ليست أولى من نفس المقتول وعرضه، وهذا
بالاتفاق(72)·

ولو
دفن الميت بلا تكفين فلا ينبش، فإن مفسدة هتك حرمته أشد من عدم تكفينه الذي قام
الستر بالتراب مقامه(73)·

الشرط
الخامس: تقدير الضرورة بقدرها، وهو معنى قاعدة: (الضرورات تقدر بقدرها(74) التي
تعتبر قيداً لقاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات)، والمعنى الإجمالي للقاعدة· أن كل
فعل أو ترك جوز للضرورة فالتجويز على قدرها ولا يتجاوز عنها، بل يقتصر على الحد
الأدنى اللازم لدفع الضرر في حالة الضرورة·

وعلى
هذا فلا يأكل المضطر من لميتة إلا قدر سد الرمق·

ومن
جاز له أن يقتني كلباً للصيد، لزمه أن يقتصر على العدد الذي يحتاجه للصيد، ولا
يجوز له أن يقتني زيادة على ذلك(75)·

ومن
استشير في خاطب ذكر مساوئه بالقدر الذي تندفع به الحاجة، ولا يحصل منه ضرر، فإن
اكتفى بالتعريض كقوله: لا يصلح لك، أو ليس كفأ، لم يعدل إلى التصريح بمساوته·

وكذلك
جرح الشهود، والأمناء على الصدقات والأوقات، والأيتام ونحوهم، فيجب جرحهم عند
الحاجة، ولا يحل الستر عليهم إذا علم منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة
المحرمة، بل من النصيحة الواجبة للمسلمين، فالنميمة مفسدة محرمة، لكنها جائزة أو
مأمور بها إذا اشتملت على مصلحة للمنموم إليه، إلا أنه ينبغي الكشف عن الستر بقدر
ما تندفع به الحاجة، تحقيقاً لوجوب تقدير الضرورة بقدرها(76)·

ويقاس
على ذلك بيان حال كل من يترتب على بيان حاله مصلحة معتبرة شرعاً، ويتأكد الحكم في
المصالح العامة؛ كما لو علم طبيب أن طياراً مصاب بالصرع، وأن مرضه يؤثر على قيادته
الطائرة، فيجب على الطبيب إبلاغ المسؤولين، ويعتبر مسؤولاً عن كل ما يترتب على عدم
إبلاغه، ولا يعد هذا معارضاً لوجوب محافظة الطبيب على عورة المريض، وعدم كشفها؛
للضرورة الداعية للمحافظة على حياة الناس، وعدم تعريضهم للخطر(77)·

وإذا
جاز النظر والكشف واللمس وغيرها من دواعي العلاج لدفع الضرورة والحاجة القوية،
فإنه لا يجوز بحال من الأحوال التعدي وترك مراعاة الضوابط الشرعية، ولذلك يلزم أن
يقدم في علاج الرجال الأطباء الرجال، كما ينبغي في حالة معالجة الرجل للمرأة أن
يكون معها محرمها أو امرأة أخرى من الثقات، وأن يقتصر النظر إلى العورة عند العلاج
على الموضع الذي تدعو الحاجة إلى النظر إليه فقط(78)·

الشرط
السادس: ما جاز لعذر بطل يزواله(79):

هذه
القاعدة مكملة للقاعدة المتقدمة – في الشرط الخامس- فالقاعدة المتقدمة يعمل بها
أثناء قيام الضرورة، وهذه القاعدة تبين ما يجب فعله بعد زوال حال الضرورة،
ومعناها: أن ما جاز فعله يسبب عذر طارئ، فإنه تزول مشروعيته يزوال حال العذر، فوقت
الترخيص للمضطر مقيد بزمن بقاء العذر، فإذا زال العذر زال الترخيص والإباحة، فيبطل
التيمم بالقدرة على استعمال الماء، فإن كان لعدم وجود الماء، بطل بالقدرة عليه،
وإن كان لعجزه عن استخدام الماء بسبب مرض، بطل ببرئه، وإن كان بسبب البرد، بطل
بزواله·

وبمعناها
أيضاً قاعدة: (إذا زال المانع عاد الممنوع)(80)، والمراد بالمانع هنا الأمر الطارئ
الذي يمنع نفوذ الحكم، فكل حكم جوز لأمر طارئ، يعود إلى أصله بزوال الطارئ، وكذلك
كل ما حرم لأمر طارئ، فإذا زال الأمر الطارئ عاد الحكم إلى الأصل من الإباحة، أو
الندم، أو الوجوب(81)·

ويعبر
عنها أيضاً بلفظ: (إذا زال المانع، زال الممتنع لأجله)(82)·

ويستثنى
من هذه القاعدة ما شرع من الحاجيات الكلية تيسيراً وتسهيلاً لمصالح الناس، فإن له
صفة الدوام والاستمرار، يستفيد منه المحتاج وغير المحتاج كالإجارة، والمساقاة،
والمغارسة، وغيرها·

الشرط
السابع: الاضطرار لا يبطل حق الغير(83):

الاضطرار
وإن كان يقتضي في بعض الأحوال تغيير الحكم من الحرمة إلى الإباحة كأكل الميتة، وفي
بعضها الترخيص في فعله مع بقائه على الحرمة، كالتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه
الملجئ لذلك، إلا أنه على كل حال لا يكون سبباً في إبطال حق الغير، وإلا لكان من
قبيل إزالة الضرر بالضرر وهذا غير جائز؛ لأن الضرر لا يزال بمثله، بل يزال بلا
ضرر، ولهذا إذا لحق الغير ضرر لا يمكن تفاديه حالة الضرورة، لزم تعويضه عنه، كما
لو اضطر إنسان لأكل طعام آخر بسبب الجوع، فإنه يضمن يمته في القيميات ومثله في
المثليات(84)·

ولو
أجبر الطبيب على إسعاف مريض وعلاجه، استحق الأجرة كاملة على قول؛ لأن الاضطرار لا
يبطل حق الغير·

وفي
قول لا يستحق الطبيب الأجرة، بل يلزمه البذل مجاناً(85)·

الشرط
الثامن: (ما خالف قواعد الشرع لا أثر فيه للضرورة)(86):

هذه
القاعدة تعد ضابطاً مهماً لقاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات)؛ لأن المضطر يخالف
بعض الأحكام الشرعية، لا قواعد الشريعة العامة، بل يراعي المضطر مبادئ الشريعة
الإسلامية وقواعد العامة من الحفاظ على أصول العقيدة، وتحقيق العدل، وأداء
الأمانات، لأن خالف قواعد الشرع لا أثر فيه للضرورة·

وعلى
هذا فلا يجوز الصلح الدائم مع اليهود؛ لأن في ذلك مخالف لمبادئ الشريعة، فالصلح مع
الأعداء يتم على أساس قواعد عهد الذمة والتزام الأحكام الإسلامية، والجائز في مثل
هذه الأحوال الهدنة المؤقتة التي يتم تمديدها حسب الضرورة أو الحاجة(87)·

ولو
ولي قاض غير أهل، هل ينفذ قضاؤه؟ ذكر الشافعية في المسألة قولين:

الأول:
ينفذ قضاؤه؛ للضرورة·

والثاني:
لا ينفذ قضاؤه؛ لأن هذا ليس مما عمت به البلوى حتى ينفذ؛ ولأن ما خالف قواعد الشرع
لا أثر فيه للضرورة(88)·

وفي
ضوء ما تقدم من الشروط فإن العمل بقاعدة الضرورات وفق ضوابطها الشرعية لا يعد
هدماً لأدلة الشرع، بل هو عمل بالدليل الشرعي·

الخميس 18 رجب 1433
مصنف ضمن : دراسات علمية
1,151 قراءة