فقه الأولويات

د· نعمان السامرائي

في الحياة اليومية يختلط الحق بالباطل، والحلال بالحرام، والصالح بالطالح، والعبرة
والحكم للأكثر··

يدرس الغزالي المسألة ويضرب الأمثلة فيقول: إن الأسباب الدنيوية مختلطة، قد امتزج خيرها
بشرها، فقلما يصفو خيرها، كالمال والأهل والولد والأقارب والجاه، وسائر الأسباب،
ولكن تنقسم إلى ما نفعه أكثر من ضره، كحق الكفاية من المال والجاه، وسائر الأسباب،
وإلى ما ضره أكبر وأكثر من نفعه، في حق أكثر الأشخاص، كالمال الكثير، والجاه
الواسع، وإلى ما يكافئ ضرره نفعه، وهنا أمور تختلف بحسب الأشخاص، فرب إنسان صالح
ينتفع بالمال الصالح – وإن كثر – فينفقه في سبيل الله، ويصرفه إلى الخيرات، فهو مع
هذا التوفيق، نعمة في حقه، ورب إنسان يتضرر بالقليل، فلا يزال مستصغراً له، شاكياً
من ربه، طالباً الزيادة، فيكون ذلك – مع الخذلان – بلاءً في حقه···(1) اهـ

تصور واضح وجيد للمسألة، ويدرس الشيخ القرضاوي نفس القضية – وله فيها كتاب جيد – يقول
الشيخ: إذا تعارضت المصالح والمفاسد أو المنافع والمضار، فالمقرر أن ينظر إلى حجم
كل من المصلحة والمفسدة، وأثرها ومداها، فتغتفر المفسدة اليسيرة، لجلب المصلحة
الكبيرة، وتغتفر المفسدة المؤقتة، لجلب المصلحة الدائمة أو الطويلة، وتقبل المفسدة
- وإن كبرت – إذا كانت إزالتها تؤدي لما هو أكبر منها، أما في الحالات العادية
فيقدم درء المفاسد على جلب المصالح الكبيرة، وتغتفر المفسدة المؤقتة لجلب المصلحة
الدائمة أو الطويلة، وتقبل المفسدة – وإن كبرت – إذا كانت إزالتها تؤدي لما هو
أكبر منها، وفي الحالات العادية يقدم درء المفاسد على جلب المصالح، وليس المهم أن
نسلّم بهذا الفقه – نظرياً – بل المهم – كل المهم – أن نمارسه عملياً، فالكثير من
أسباب الخلاف بين العاملين للإسلام يرجع إلى هذه (الموازنة)،

فهل نقبل التحالف مع قوى غير إسلامية؟؟

هل نقبل مصالحة أو مهادنة مع حكومات غير ملتزمة بالإسلام؟

هل يمكن المشاركة في حكومة غير إسلامية؟ هل نعمل في ظل دستور فيه ثغرات أو مواد لا نرضى عنها؟؟

هل نقيم مؤسسات اقتصادية مع سيطرة الاقتصاد الربوي؟

هذه القضايا التي يذكرها الشيخ هي قضايا ساخنة ومطروحة ونحتاج لنوع من الفقه كي يأتي
الحكم  متوازناً غير متشنج ولا متسيب، لا
يبتعد كثيراً عن روح النص، ولا يتجاهل الواقع كلياً·

ـــــــــــــــــــــ

(1) إحياء علوم الدين، 4/001 طبعة دار المعارف·

 

15 سبتمبر, 2012
مصنف ضمن : اللقاء الأخير