النصيحة الشرعية·· تجمع الگلمة بين الراعي والرعية

عضو هيئة كبار العلماء الشيخ د· صالح الفوزان لـ :

 الرياض: د· عقيل العقيل

صح عنه صل الله عليه وسلم قوله: “الدين النصيحة قالها ثلاثاً قال الصحابة: لمن
يا رسول الله قال: لله ولكتابه ولرسوله وللأئمة المسلمين وعامتهم”·

فالنبي صل  الله عليه وسلم ومن خلال هذا الحديث بيَّن أهمية النصيحة وفضلها وأوضح جهات
النصيحة ولبيان أهمية النصيحة وكيف كون والأسلوب الذي تفعل فيه هذه النصيحة
التقينا معالي الشيخ د· صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء في المملكة
العربية السعودية·

* يجب احترام ولاة الأمر وتوقيرهم وتحرم غيبتهم أو السخرية منهم أو
تنقّصهم

* يجب إيصال النصيحة لولاة الأمر فيما بينك وبينهم ويحرم نشر أخطاء
ولاة الأمر على الناس في منبر أو شريط ويعد ذلك خروجاً عليهم

* ذكر معايب وأخطاء ولاة الأمر في الندوات والمجالس من أعظم
المنكرات والغش لولي الأمر

* إحداث البدع في يوم مولد الرسول ليس من محبته

* من النصيحة لولي الأمر إيصال النصيحة إليه فيما بينك وبينه

* الدعاء لولي أمر المسلمين بالصلاح والهداية من النصيحة له

* من النصيحة لعامة المسلمين احترام أعراضهم من الغيبة والنميمة

* ما السبيل لوحدة كلمة الأمة واجتماعها يا معالي الشيخ؟

- إذا كنا نريد وحدة الكلمة، واجتماع الكلمة، فلنرجع إلى الأصل
الذي وحد بين العرب والعجم، وبين الأحرار والعبيد، وبين مختلف أجناس البشر نرجع
إلى هذا الذي وحَّدهم، وهو مضمون لا إله إلا الله قولاً وعملاً واعتقاداً، هذه
النصيحة لله سبحانه وتعالى، فلا يمكن أن يجتمع مشرك مع موحّد ولا جهمي ينفي
الأسماء والصفات مع من يثبتهما، ولا يجتمع صوفي أو قبوري يعبد الله بالخرافات،
وعبادة الأموات مع من يعبد الله على سنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا حزبي
مخالف لمنهج السلف وأهل السنَّة والجماعة في لزوم السمع والطاعة لولي الأمر
بالمعروف والانضمام إلى جماعة المسلمين مع من يلتزم بتلك الأحكام الشرعية·

* هل يتصور الاجتماع مع وجود شيء من الاختلاف في بعض الأمور؟

- نعم، أهل السنَّة والجماعة يجتمعون ولو حصل بينهم اختلاف فقهي في
بعض المسائل، إذا كان هذا الاختلاف ناشئاً عن اجتهاد سائغ فيجتمع أهل المذاهب
الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة؛ لأن عقيدتهم واحدة ولو اختلفوا في
بعض الفقهيات الاجتهادية، وهم في هذا على منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين
لهم بإحسان الذين قد يحصل بينهم اختلاف فقهي، ومع هذا يتآلفون ويتحابون فيما
بينهم، ولا من يقول آمنا بالله بلسانه، وليس هو بمؤمن في قلبه: {وَمِنَ النَّاسِ
مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8)
يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم
وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 8 - 9]· مع من يعبد الله ويؤمن به ظاهراً وباطناً·

* مما أمر به الشارع النصيحة لولاة أمر المسلمين وإئمتهم·· معالي
الشيخ كيف تكون النصيحة لأئمة المسلمين؟

- النصيحة لأئمة المسلمين وهم ولاة الأمور تكون بعدة أمور:

أولاً:
باعتقاد ولايتهم، لأن بعض الجهال من الشباب وغيرهم ومن بعض المتعالمين لا يعتقد
ذلك، فلا بد من اعتقاد أن ولايتهم ولاية صحيحة ومنعقدة وأن الله أوجب عليه طاعتهم،
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59]· ويجب احترام ولاة أمور
المسلمين وتوقيرهم لأن لهم حقاً بما ولاهم الله سبحانه وتعالى، وتحرم السخرية بهم،
أو الغيبة لهم، أو تنقص ولاة أمور المسلمين، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حث على
السمع والطاعة يقول: “وإن تأمر علكيم عبداً”، وفي رواية: “اسمعوا
وأطيعوا، وإن استعمل علكيم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة”، وفي رواية: “ولو
كان مجدع الأطراف” حتى ولو حصل منهم خطأ لا يصل إلى حد الكفر، فإننا لا
ننقصهم، ولا نضع من قدرهم، ولا ننشر أخطاءهم على الناس؛ لأن هذا يسبب الفتن
والشرور، وانتقاض الولاية وغير ذلك من الثورات والفوضى، فيجب على كل مسلم يتبع
لولي من ولاة أمور المسلمين أن يلتزم هذا المنهج الذي أمرنا الله ورسوله به مع
ولاة أمورهم، وقد جاء الوعيد بأن من أهان ذا سلطان أهانه الله·

ومن النصيحة لولي الأمر إيصال النصيحة إليه فيما بينك وبينه، ولا يجوز أن تقف على منبر
أو تتكلم في شريط وتذكر معايب الولاة، وتذكر أخطاء الولاة هذا من الخروج عليهم،
وإيغار الصدور ضدهم، بل إذا أدركت خطأ، وتمكنت من مناصحتهم فيه مشافهة أو مكاتبة،
أو أن توصي من يتصل بهم، فإنه يجب عليك ذلك، أما أن تذكر معايبهم، وأخطاءهم في
مجالس الناس، وفي الندوات والخطب وغير ذلك، فهذا من أعظم المنكر والغش لولي أمر
المسلمين، ومن التشهير، وهذا يسبب الخروج على ولاة أمور المسلمين، وشق عصا الطاعة،
وتفريق كلمة المسلمين، ولا يجدي شيئاً·

والله جلَّ وعلا قال لنبيه ورسوله موسى، وهارون عليهم الصلاة والسلام لما أرسلهما إلى
فرعون قال: {فَأْتِيَاهُ} [طه: 47]· {فَقُولَا لَهُ } [طه: 44]· مشافهة ولا تقولا
لغيره: {فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}
[طه: 44]· هذا طريق مناصحة ولاة الأمور وهذا مع كافر، وهو فرعون الذي ادََّعى
الربوية والألوهية: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24]· {مَا
عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]· فكيف مع ولي أمر المسلمين؟
يقول الله في كافر يدعي الربوية والألوهية { فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ
يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [طه: 44]· قال: {ٍ فَأْتِيَاهُ } [طه: 47]· ولم يقل
سباه في المجالس والطرق أو اخرجاً عليه واعملا المظاهرات ضده، فكيف بولي أمر
المسلمين؟ وإذا كنت لا تقدر على الاتصال به فإن الله لا يكلفك بشيء لا تقدر عليه:
{ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } [البقرة: 286]· فأمسك لسانك
ولا تقل هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن هذا هو المنكر نفسه، بل هو
أعظم المنكر هذا يُفسد ولا يُصلح·

ومن النصيحة لولي أمر المسلمين أنه إذا ولاك على وظيفة، أن تقوم بالعمل الوظيفي، وإذا
ولاك على عمل من الأعمال، أو جباية مال لبيت المال، فمن النصيحة لولي الأمر أن
تحفظ هذا الشيء، تحفظه غاية الحفظ، وألا تخون فيه، أو تغل شيئاً منه، أو تقبل
الرشوة التي تدفع إليك في مقابل أنك تتسامح في أخذ الحقوق من الناس، هذا من الغش
لولي أمر المسلمين، لأنه ائتمنك على هذا فكيف تغش في ولايتك، وتخون في عملك، هذا
مضاد للنصيحة لولي أمر المسلمين·

وكذلك من النصيحة لولي أمر المسلمين الدعاء له بالصلاح والهداية، وهذا من عمل المسلمين
الدعاء لولاة أمورهم بالصلاح والهداية، والتوفيق قال بعض السلف: (لو أعلم أن لي
دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان) لأن السلطان إذا صلح أصلح الله من تحته، فتدعو له
بالصلاح والهداية والتوفيق، ولو أخطأ تدعو الله أن يهديه ويرده للصواب هذا من حقه
عليك، وهذا من النصيحة لولي أمر المسلمين، واليوم أصبح من ينصح لولي الأمر ويدعو
له بالصلاح والهداية ويحث على لزوم الجماعة والسمع والطاعة بالمعروف يلقب بالجامي
والجامية تنفيراً من هذا الأصل العظيم الذي أمر الله به ورسوله، قال بعض السلف إذا
رأيت من لا يدعو لولي أمر المسلمين فاتهمه يعني: اتهمه بمذهب الخوارج، وبعض الجهال
أو بعض الضلال يتهم من يدعو لولي الأمر بالمداهنة والنفاق، وأنه عميل إلي غير ذلك
من قبيح التهم، فيجعل النصيحة مداهنة وعمالة وهذا هو النفاق والغش للإسلام
والمسلمين·

* وماذا عن النصيحة لعامة المسلمين؟

- النصيحة لعامة المسلمين ومجالها واسع في المعاملات، في البيع
والشراء في الدعوة إلى الله، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في تعليم العلم
النافع، هذ كله من النصيحة لعامة المسلمين، لا تغش إخوانك المسلمين لا بالقول ولا
بالفعل، إذا بعت  أو اشتريت منهم فإنك تلزم
النصيحة، وألا تخدعهم، ففي الحديث الشريف: “لا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا
تدابروا، ولا تحاسدوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله
إخواناً”، حب أخاك المسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب
لنفسه”، يعني: لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإن كان لا يحب
لأخيه ما يحب لنفسه نقص إيمانه·

ومن النصيحة لعامة المسلمين، احترام أعراضهم عن الغيبة والنميمة، لا تنم بينهم، وعليك
بالإصلاح إذا حصل خصومة أو نزاع بينهم فإنك تصلح بينهم هذا من النصيحة لهم قال
تعالى: { فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } [الأنفال: 1]·
والنبي صلى الله عليه وسلم قال: “فإن فساد ذات البين هي الحالقة؟ لا أقول تحلق
الشعر، ولكن تحلق الدين”

فتحاول الإصلاح بين إخوانك، ولا تنشر النزاع والعداوة بين المسلمين، وتصلح بينهما بالعدل
والقسط: { إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [المائدة: 42]· هكذا النصيحة
لعامة المسلمين·

ومن النصيحة لهم الدعاء لهم مع نفسك: { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا
الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } [الحشر: 10]· { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } [محمد: 19]· هذا من النصيحة لإخوانك
المسلمين·

فالمسلمون كالجسد الواحد، وكالبنيان يشد بعضه بعضاً، أنت تتألم لألمه، وتحزن لحزنه، وتفرح
وتسر لسروره بموجب الأخوة، الأخوة الإيمانية التي بينك وبين أخيك المسلم {
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا
اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [الحجرات: 10]·

* هل للنصيحة أثر في اجتماع الكلمة؟

- النصيحة هي من أسباب جمع الكلمة بين الراعي والرعية، وبين الرعية
بعضهم مع بعض، المجتمع كله إذا سادت النصيحة فيه توحََّدت كلمته، وزال الشقاق
بينهم، والنزاع، وسادت المحبة بينهم، هذه النصيحة لعامة المسلمين، تتعامل مع
الناس، فيكون تعاملك على الصدق والإخلاص، فكما لا ترضى لنفسك الغش فلا ترضه
لإخوانك لا تغشهم { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ
عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ
يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ } [المطففين: 1 -
4]· { وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ
مُفْسِدِينَ } [هود: 85]· لا تبخس حقوق الناس؛ بل احترمها وأوصلها إليهم، هذا من
النصيحة، لو أن هذه النصيحة تسود بين المسلمين لما حصل الخلل ولما حصل الفشل، ولا
تسلط علينا عدون، ولما تدخل في شؤوننا·

لو عملنا بهذا الحديث، الذي كرر فيه النبي صل الله عليه وسلم فقال:  “الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين
النصيحة” قالها ثلاث مرات عليه الصلاة والسلام، فلماذا الرسول صلى الله عليه
وسلم اهتم بها هذا الاهتمام حتى قال الصحابة لمن هي يا رسول الله؟ قال: “لله
ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم”، وبهذا يجتمع الدين كله·

وفَّق الله الجميع لما يحبه ويرضى، وأصلح الله ولاة أمورنا، ووفقهم للحق والصواب وكفانا
شر أعدائنا·

2 فبراير, 2013
مصنف ضمن : حوارات